ألان سركيس

قوى الأمن و"هبة" اجتياز "القطوع"... أو الترنّح والوقوع!

4 دقائق للقراءة
الأمن هيبة

دخل لبنان منذ سنوات زمن الإنهيار السريع لمؤسساته، فضُربت أبرز قطاعاته وفي طليعتها القطاع المصرفي وامتدت الإنهيارات إلى إدارات الدولة وباتت شبه معطّلة، وما فقدان «الطوابع» إلا تعبير عن التدمير البطيء الحاصل. ويتوقّع من يراقب الوضع اللبناني تحلل الدولة بصورتها الفعلية ونشوء دويلات على تخومها، ووسط مخاوف من انشقاقات في صفوف القوى الأمنية والعسكرية، برزت معطيات جدّية توحي بأنّ القرار الإقليمي والدولي هو الحفاظ على المؤسسات الأمنية والعسكرية كي لا تنهار ويسيطر الطرف الأقوى، أي «حزب الله»، على مفاصل الدولة وأجهزتها.

وبرز تطوّر آخر تمثّل بحراك قائد الجيش العماد جوزاف عون وطلب المعونة والمساعدات للعناصر من كل الدول الداعمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وإذا كانت خطوة قائد الجيش لقيت استهجاناً من بعض القوى السياسية التي تقف له بالمرصاد، إلا أنّ تلك «المعونة» أمّنت إستمرارية مؤسسة الجيش وساعدت أفرادها على الصمود خصوصاً مع تأمين الطبابة والاستشفاء للضباط والعناصر وعائلاتهم.

لكن ما نعِم به الجيش، افتقدته بقية المؤسسات الأمنية وعلى رأسها قوى الأمن الداخلي، تلك المؤسسة التي كانت المدماك الذي يُبنى عليه للوقوف في وجه تمدّد «الدويلة» خصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والدعم الذي لاقاه فرع المعلومات ليصير واحداً من أهم الأجهزة الأمنية في المنطقة.

أتى الإنهيار، وأصاب بشكل كبير قوى الأمن الداخلي، فباتت رواتب عناصرها غير كافية، بحيث لا يستطيع العنصر من قوى الأمن الداخلي تأمين طبابته، عندها ظنّ الجميع أن هذه المؤسسة باتت على شفير الإنهيار التام.

لا شكّ أنّ الأمن هو هيبة بالدرجة الأولى، وعلى رغم اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975 أصرّ وزير الداخلية آنذاك كميل شمعون على متابعة شؤون وزارته والإبقاء على وجود دركي عند كل تقاطع طرقات لكي يحافظ على ما تبقّى من هيبة دولة وليقول «الدولة ما زالت موجودة». يقاتل عناصر قوى الأمن الداخلي في السنوات الأخيرة باللحم الحي ويدفعون من جيوبهم لكي يتوجهوا إلى مراكز عملهم، وكان لافتاً تراجع نسبة الجريمة بين شهريّ كانون الثاني وشباط وآذار من هذا العام عن العام المنصرم على رغم الإنهيار الحاصل والأزمة الاقتصادية العاصفة.

ففي إحصاءات قوى الأمن كان عدد عمليات سرقة السيارات في الأشهر المذكورة من العام الماضي 327 عملية وانخفضت في المدة نفسها من هذا العام إلى 314 عملية، أما عمليات السلب فقد انخفضت من 12 عملية إلى 11 عملية، وانخفض عدد القتلى من 46 قتيلاً إلى 29 قتيلاً، والنشل من 153 إلى 91 عملية، والسرقات الموصوفة من 1752 إلى 1040 عملية، وانخفضت عمليات سلب الأشخاص من 154 إلى 148 عملية.

وتُظهر هذه الأرقام وجود رادع أو حدّ أدنى من السلطة، على رغم الإمكانات المتواضعة والتي وصلت إلى أدنى مستوياتها في السنوات الماضية، فتحاول القوى الأمنية إثبات جهوزيتها ومحاولة التحرّك على رغم افتقاد العدد الأكبر من الآليات للوقود وسط تسجيل حالات فرار للعناصر ليست بقليلة.

هذا في الشق التقني، أما في الأمور الأكبر، فقد برز تطور منذ أشهر أعطى عدداً من الدلالات، فالقرار الأميركي كان واضحاً بإبقاء الجيش اللبناني واقفاً على قدميه، وبرز ذلك من خلال التقديمات السخية التي وصلت لعناصره وللمؤسسة بشكل عام، لكن هذا القرار لم يشمل سابقاً مؤسسة قوى الأمن، إلا أنّه ومنذ مدّة إتخذ قرار أميركي يقضي بالحفاظ على الأجهزة الأمنية جميعها، وظهر ذلك من خلال توسيع المنحة الأميركية لتشمل عناصر قوى الأمن الذين باشروا بقبض المئة دولار «فريش» لكل عنصر.

على مرّ الزمن تلقّت قوى الأمن أكثر من ضربة موجعة، لكن المؤسسات تستمر على رغم أهمية الأشخاص، فغياب الداعم الإقليمي السابق لقوى الأمن أثّر أيضاً وكذلك غياب المظلة السياسية الداخلية، كلها عوامل ساهمت في تراجع الأداء والدور والهيبة، لكن يبدو واضحاً أن أي قرار بإعادة بناء المؤسسات سيمرّ بالمؤسسات الأمنية والتي يحتاج قسم منها إلى إصلاح بعدما استشرى الفساد في بعض أقسامها، فهل تكون المساعدة الأميركية بداية عملية النهوض أو إبرة «مورفين» ستزول مفاعيلها بعد انتهاء هذه الهبة؟