أين أسلحة العالم كلّها اليوم وأين طائراته ودبّاباته وميزانيّاته الحربيّة لمحاربة فيروس كورونا، هذا العدوّ الصغير الذي تتعذّر رؤيته بالعين المجرّدة؟ (ميزانية الدفاع الأميركية وحدها تتجاوز السبعمئة مليار دولار سنوياً)؟
حين تواجه البشرية جمعاء خطراً واحداً بهذا الحجم، كم هي واهية فكرة الحدود والجيوش التي لا تعود تنفع في شيء، وكم تبدو بدائيّة وتنتمي إلى أزمنة همجيّة سحيقة! تنهار البورصات العالميّة، هنا وهناك. تقفل المطارات والمدارس والمتاحف وأماكن التجمّعات العامّة، بينما تتسابق المختبرات الطبّية في الدول الكبرى لإيجاد اللقاح اللازم وصدّ خطر الفيروس القاتل.
يوهمنا أسياد العالم بأنهم يحموننا بسياساتهم وأسلحتهم، لكن من يحتمي بمظلّة الخوف يزداد خوفاً. هل بقيت ثمّة بقعة واحدة آمنة في العالم، إذا لم يكن من الحروب والتطرّف والعنف، فمن وجود الأسلحة النوويّة - مجرّد وجودها -، ومن نسق اقتصادي يكرّس التمييز ويستبيح الأرض ومواردها الطبيعيّة بصورة جنونيّة، ومن الأمّيّة والفقر والبطالة، وتلوّث الهواء والماء، والاحتباس الحراري، وقطع الأشجار واشتعال الغابات، وذوبان الجليد القطبي، وانعكاسات ذلك كلّه على هذا الكوكب بما ومن عليه. هناك تحدّيات تواجه البشريّة بأكملها ولا تنحصر في دولة دون أخرى، والتعامل معها يقتضي رؤى بديلة عمّا هو سائد. فالإنسان ينتمي الى الجنس البشري قبل أن ينتمي إلى وطن وجنسيّة ودين. وفي حال كالتي نعيشها في الوقت الراهن، هل ينفع التعصّب القومي أمام خطر يتهدّد الكون؟ وهل يمكن إنقاذ دولة بعزلها، من حيث المشاركة في إيجاد الحلول، عن بقيّة الدول؟ الرئيس الأميركي قرّر يوم الخميس الماضي إغلاق حدود بلاده مع الأوروبيين (باستثناء بريطانيا)، من دون تنسيق مسبق مع هؤلاء. ويكون بذلك قد اتّخذ موقفاً أحادياً في لحظة تاريخيّة تتطلّب تضافر الجهود لمواجهة الخطر، لا إضافة خسائر وانعكاسات سلبيّة كما حصل على الفور.
في الأمس القريب، قال الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، ردّاً على منتقديه الذين حمّلوه مسؤولية الحريق الذي كان يلتهم غابة الأمازون، إنّ الغابة مُلك البرازيل، واعتبر إبداء الرأي حولها تدخُّلاً سافراً في شؤون الدولة البرازيليّة. غابة الأمازون تختفي شيئاً فشيئاً أمام عيوننا. خلال نصف قرن فقط، تمّ القضاء على ربع أشجارها، مع ما يعني ذلك من تأثير على البيئة ككلّ، وعلى تدمير النظام البيئي الأغنى في العالم، وما يحتوي عليه من تجمّعات بشريّة وحياة حيوانيّة ونباتيّة. هذا ما حدث أيضاً في إندونيسيا، وفي قلب المحيط الهندي حيث خسرت مدغشقر ثلاثة أرباع غابتها الاستوائيّة.
خلال قرون، تقدّمت البشريّة معرفياً وعلمياً، وأحدثت ثورات تقنية وتكنولوجية هائلة، لكنّ هذه البشريّة نفسها ظلّت متخلّفة، بل وبدائيّة على المستوى الإنساني. "تتناسل وتدمّر نفسها باستمرار"، على حدّ تعبير المفكّر الفرنسي ميشال فوكو. عولمة التقدّم والتكنولوجيا تصبح خطيرة إذا فقدت المعايير الإنسانية. العولمة المنتصرة تتقدّم ككتلة عمياء لامبالية، لا تعنيها فروق ولا قيَم. تجرف في طريقها القواسم المشتركة لتفرض نموذجها الواحد، المسيطر والمستبدّ، ولتؤكّد على الانقسام والتفرقة كأنّهما قدَر الشعوب. في موازاة التقدّم، تعمّقت الهوّة الرقميّة، الاقتصادية والاجتماعية، بين الأغنياء والفقراء، ليس فقط بين الشمال والجنوب، بل في العالم أجمع، في غياب تَقاسُم عالمي للمعارف وتبادل فعـلي بين الثقافات.
لقد تغيّر مفهومنا للقيَم في مجتمعات تعيش تحوّلات عميقة بفعل التقاء هذين العاملين الأساسيّين المتمثّلين في العولمة والتكنولوجيات الجديدة. مجتمعات تهيمن عليها المصالح الاقتصاديّة والقيمة السوقيّة، وفيها جرى اختزال الإنسان في رقم صغير ضمن منطق الربح والخسارة، وتلاشت المسافة بين الجماليات والاقتصاد والسياسة.
السياسة القائمة على الاستئثار والقوّة لا تأخذ في الاعتبار حاجات البشر الفعليّة وتطلّعاتهم، ولا حدود الاستغلال التي تتحمّلها الأرض وثرواتها الطبيعيّة على المديين القريب والبعيد. لذلك، يحتاج الجنس البشري اليوم إلى شيء آخر يدافع عنه، إلى لغة أخرى مختلفة تماماً تساعد على بناء إنسانيّة جديدة تخرجه من منطق قديم ومدمّر يقوم على حماية البشر من بعضهم بعضاً بدلاً من حمايتهم جميعاً من المخاطر المحدّقة بهم وبوجودهم على هذه الأرض. من تلك المخاطر اليوم، فيروس صغير لا تراه العين المجرّدة، لكنّه قادر أن يزلزل العالم وأن يذكّر المقيمين فيه أنّ كوكبنا المسكين معلَّق على شفا هاوية وأنّ الحضارات الإنسانيّة أكثر هشاشة ممّا نتخيّل.