وليد شقير

إسترداد ديون إيران من "عودة العرب"؟

4 دقائق للقراءة

يستمر الفريق الحاكم في سوريا في الترويج لفهمه الخاص لقرار الجامعة العربية «استئناف مشاركة وفودها في اجتماعات مجلس الجامعة، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها»، على أنّه عودة العرب إلى سوريا وليس عودة سوريا إلى الحضن العربي. هذا هو الشعار الذي انتشر في تغريدات وكتابات جماعة النظام مساء الأحد الماضي، وهو الشعار الذي ابتدعه قبل سنوات وزير الخارجية الراحل وليد المعلم عندما كان يُطرح موضوع إعادة النظر بالقرار العربي الي صدر عام 2011 إثر رفض النظام المبادرات العربية والدولية كافة لحل سلمي يوقف العنف للأزمة التي اندلعت منتصف آذار من ذلك العام، قوامه سحب الجيش السوري وأجهزة الأمن التي واجهت الاحتجاجات الشعبية بمذبحة دموية تمهيداً لبدء حوار مع المعارضين السلميين وصولاً إلى حلّ سياسي.

لا مواربة في قناعة النظام بأنه انتصر على معارضيه، وعلى الدول التي بدأت مسار الانفتاح عليه باختيارها إخراجه من حصار خصومه الإقليميين. وهو يمنّن هؤلاء بأنه قبل بـ»عودتهم» إلى سوريا، وفي الوقت نفسه ينظّم احتفالية بالقرار العربي. ولمَ لا، فحتى الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط سبق أن قال إن الأسد انتصر، ما يعني أنّ عودته إلى الجامعة تكريس لانتصاره.

على رغم الاحتفالية بالنصر، أراد النظام من وراء القرار أولاً تحقيق الاعتراف السياسي به وثانياً التسليم العربي بحقه في أولوية تحالفه مع إيران وترسيخ دورها في سوريا، وثالثاً الحصول على المال لمواجهة الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تمر بها سوريا، إمّا تحت عنوان المساعدات الإنسانية أو من أجل إعادة الإعمار. تحقق له الأمران الأولان منذ توالي الزيارات العربية إلى دمشق، وبحكم الاتفاق السعودي- الإيراني قبل شهرين.

بالنسبة إلى المال فقد سبق ورافق قرار الجامعة، توجه خليجي وسعودي يبدو أن الفريق الحاكم في دمشق تبلغه من الدول المعنية، ولا سيما الخليجية، يقضي بعدم تقديم أي مال سياسي.

كان يفترض بقرار الجامعة أن يُحدث صدمة إيجابية نفسياً على الأقل، في سوق القطع السوري، فيحسّن من سعر صرف الليرة السورية الذي تدهور في الأسابيع الماضية حين بلغت قيمة الدولار 8300 ليرة سورية، فإذا به يقفز إلى 8700 ليرة سورية يوم الإثنين، غداة القرار العربي.

التوجه الخليجي بالامتناع عن ضخ أموال في الاقتصاد السوري لا يخرج عن سياق السياسة السعودية الجديدة بالإقلاع عن وهب المال السياسي، لأي من الدول، وأن أقصى ما يمكن تقديمه من مساعدات مالية لأي دولة تواجه صعوبات، بما فيها سوريا، هو ما يقدمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، نص القرار العربي على إيصالها إلى «كل مستحقيها» حيث ما يقارب 70 في المئة من السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية. فمعظم تلك المساعدات التي أُرسلت عقب زلزال 6 شباط إلى مطاري دمشق وحلب صادرها النظام. ومثلما هو الموقف بالنسبة إلى لبنان، باتت القاعدة هي الاستثمارات المربحة لطرفيها. أمّا التوظيف في إعادة إعمار سوريا فبات مسلماً به أنه مشروط بنتائج عمل اللجنة العربية الخماسية التي شكلها وزراء الخارجية العرب «للتوصل لحل شامل للأزمة السورية يعالج جميع تبعاتها، وعبء اللجوء، وفق منهجية الخطوة مقابل خطوة، وبما ينسجم مع قرار مجلس الأمن الرقم 2254»...

استبقت إيران القرار العربي بتأكيد يدها العليا في سوريا عبر زيارة الرئيس ابراهيم رئيسي، في سياق ما أُطلق عليه التنافس العربي الإيراني فيها. وفضلاً عن مواصلة طهران اعتمادها سوريا ساحة من ساحات نفوذها الإقليمي، مثل لبنان والعراق واليمن، في إطار حالة المواجهة والتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل، فإنها ثبّتت بلاد الشام كأحد ميادين الصراع والتنافس، بمذكرة التفاهم «للتعاون الاستراتيجي الشامل طويل الأمد» التي وقعها رئيسي مع الأسد، وعاد وزيرا الدفاع في البلدين فأعلنا عن ترجمتها بإلإعلان عن الاستعداد الإيراني لبناء مصانع عسكرية لأسلحة متطورة في سوريا.

على الصعيد الاقتصادي سارع تاجر البازار الإيراني إلى دمشق من أجل استرداد ديونه من سوريا، على وقع التناغم التام الذي أظهره له الأسد في كلامه الترحيبي مذكراً إياه بأن سوريا وقفت مع طهران «عندما شُنّت حرب ظالمة ضد إيران عام 1980 لمدة 8 سنوات» (وقفت الدول العربية مع صدام في حينها). تمّ تثبيت الديون على أنها 30 مليار دولار بعدما كان الجانب السوري احتسبها على أنها 15 ملياراً، للحصول على مقابلها من أرباح امتيازات طهران في اتفاقاتها مع دمشق لاستخراج الفوسفات والنفط وخصخصة الكهرباء، ومنحها عقارات (صادرها النظام لمعارضين نزحوا).

حجة الفريق الإيراني الذي يتعرّض لانتقادات الداخل بسبب توظيفه الأموال في سوريا ولبنان واليمن، لاسترجاع ديونه على هذا الشكل، أن الاستثمارات العربية في سوريا قادمة بعد تحسن علاقتها وطهران، مع السعودية والخليج.