لا شيء يعلو فوق صوت " كورونا"، يقول التجّار في النبطية: "يا محلا الازمة الإقتصادية أمام عصف كورونا". حتى الباعة المتجولون باتو أكثر حذراً في تجوالهم، هؤلاء يعملون بـ"اليومية"، ومنهم ممن يتحمل مسؤولية عائلة لا تقل عن 5 أشخاص، وحياتهم تتوقف ما إن يتعطل عملهم، وبحسب أبو يوسف "لا احد يستطيع أن يُسكت جوع الأطفال، والطفل الذي يحتاج حليباً لن يثنيه شيء عن البكاء سوى اعطائه ما يريد، فالحجر بلا دعم لا يشبع أحفادي".
وأبو يوسف مُعيل لابنته وأولادها بعد وفاة زوجها، يضطر للخروج يومياً لبيع الخضار عبر بيك اب، يجول أحياء القرى، غير أبه بخطر "كورونا": "أخضع الخضار للتعقيم، وأضع الكمامة". ويقول: "عايشنا الكثير من الحروب، كنا نعمل تحت وابل القصف ولم نخضع يوماً، ولن ننحني لكورونا، لن يكون أصعب من غيره". يبدو أبو يوسف كمن يخفف عبء الحياة عليه، يتحدث بحرقة: "نعيش في لبنان بلا اي ضمانة، دولتنا تتصارع في ما بينها على الحصص، ونواجه الموت. وعدونا بالمساعدات، لكن يبدو أن خلافاتهم أكبر من أي شيء، كل دول العالم دعمت شعبها، الا لبنان ترك شعبه ليواجه مصيره".
وسارع مواطنون لتسجيل أسمائهم لدى البلديات للحصول على حصة الدولة الغذائية، تحاول أم إبراهيم أن تمسك دمعتها، حضرت باكراً الى إحدى بلديات النبطية لتسجيل اسمها، تؤكد لـ"نداء الوطن": "فقدنا كل مقومات الصمود، كنت أعمل حاجبة في إحدى المدارس، براتب شهري لا يتجاوز الـ500 الف ليرة، وبما أن المدارس مقفلة لن أتقاضى راتبي، أي أنني لن أتمكن من شراء الأدوية لابني، فلا أحد يسأل عن أحد في هذا البلد". وأم إبراهيم هي معيلة لولدها الذي يعاني شللاً نصفياً. تركها زوجها قبل سنوات، واضطرت للعمل لكي تعيل ابراهيم، وتقول بحسرة "تبدلت الأحوال، الظروف صعبة جداً، لو كان الأمر متعلقاً بالأكل فقط نتكل على المونة التي نعدها صيفاً، لكن هناك أدوية وحفاضات ومستلزمات يحتاجها ابني بت عاجزة عن تأمينها".
وبعيداً من "كورونا"، بدأ عدد من الاهالي مزاولة مهنة الزراعة من جديد، يستغلون المساحات الصغيرة أمام منازلهم، يزرعونها بما تيسر من خضار، تقيهم شبح "الجوع"، فالأزمة الإقتصادية تضرب العوائل برمتها، فالكل فقد مصدر رزقه وقوت يومه، وبات ينتظر حصة تموينية تمده بجرعة صمود لمواجهة يوميات الحجر. فرحات أحد المواطنين الذي استغل الحجر ليبدأ بالزراعة، برأيه: "الزراعة ضمانة لنا من خطر الجوع، فالغلاء الذي يصاحب الخضار بات كبيراً، فالتاجر يبيع الخضرجي على سعر الدولار 3000 والخضرجي يرفع السعر ليربح، ونحن كبش المحرقة".
ليس فرحات وحده منأعاده الحجر المنزلي إلى الارض بل يبدو أن الشباب هم اكثر حماساً للزراعة، علي، محمد وعدد من الشبان أطلقوا مبادرة "تعو نزرع كرمال ما يصيبنا الجوع"، تمكنوا من الحصول على 8 دونم في سهل الميذنة - كفررمان الذي يعتبر من أهم السهول الزراعية في المنطقة، وبدأوا زراعته بشتى أنواع الخضر والبقوليات، وضع الشبان مبادرتهم في خدمة ابناء بلدتهم. يؤكد علي أحد المشاركين في المبادرة: "ما نزرعه سيعود ريعه للفقراء، اي اننا نضرب عصفورين بحجر واحد، نشجع الناس على الزراعة ونساعد الفقراء".
داخل الأرض يتناوب علي ومحمد على بذر الحبوب، من بقدونس وخس وبطاطا وغيرها من انواع الخضار، على ان يعود مردودها للفقراء، بحسب علي: "نعتبر هذه الخطوة ضرورية، لاننا نواجه حربين كورونا والاقتصاد، وبما اننا مجتمع قروي يعتمد الزراعة فضلنا ان ننطلق من الزراعة، خصوصاً أننا مقبلون على شهر رمضان، فإذا كانت اليوم الأسعار مرتفعة فكيف بشهر رمضان؟".