رمال جوني -

يبيع "إم قليبانة" ليساعد أهله ويؤمن قسط المدرسة

1 حزيران 2023

16 : 52

لم يجد غير «الأم قليبانة» أمامه ليعمل بها، وضع بسطته الصغير على الطريق بين حاروف وجبشيت وبدأ العمل.


لم يأبه يُوسُف ابن الـ13 ربيعاً لحرارة الشمس، جُلّ ما فكّر به، أن يجد عملاً له، يستثمر به وقته بشيء منتج، اللافت أنه خفّض السعر، وبدل الـ100 ألف، باع باقة "الأم قليبانية" أو الحمّص الأخضر بـ50 ألف ليرة.


ما أراده أن يسترزق، بدل من تمضية الوقت خلف شاشات الهاتف، فكّر كيف يساعد أهله في هذه الظروف الصعبة. يملك عقلا تجارية، يفاخر بنفسه أنه وجد عملا له، وأكثر يؤكد أنه ماضٍ فيه وقد يبدل الأصناف حسب الموسم.


يجلس على كرسيه الصغير، يضع أمامه طاولة، رص فوقها باقات الحمّص الأخضر، وجعل ابتسامته مفتاحه نحو التفاؤل، يقول إن "العمل ليس عيباً ولو بعمرٍ صغير، الوضع الماليّ يزداد تعقيداً، والغلاء يقضّ مضاجعنا"، يرى أن "الطفولة قضت عليها هذه الأزمة"، بل يؤكد أنها "جعلته شاباً، يفكر كيف يتدبر ظروفه المالية والاقتصادية باكراً".


ما يؤرقه هو الأقساط المدرسية، فهي باتت كارثية، لأن المدرسة الرسمية برأيه ليست بآمنة. سيضطر يُوسُف للعمل طيلة الصيف ليؤمن قسطه المدرسي ويعين والده قليلاً، الذي يريده أن يمضي في رحلة دراسته، وألا تضطره الظروف لترك مقاعد الدراسة باكرا.


لا يخفي قلقه من الأمر، فكثر من رفاقه قد يتسربون من المدرسة بسبب ارتفاع الأقساط في المدرسة الخاصة، بعد أزمة المدرسة الرسمية، يقول إنه هاوٍ للثقافة والمعرفة، وفي الوقت عينه، قرر أن يبدأ عملا بسيطاً، يريد أن يكون محطّ "ثقة" لدى والديه، ويسعى للاعتماد على نفسه.


يبدو أن العمل سيرافق الأولاد هذا الصيف، وقد يلجأ بعضهم للعمل "كهربجية" أو "بنشرجية" أو حتى فتح بسطة خضر من زراعة أهلهم، وهو أمر يشير إليه يُوسُف لافتاً إلى أنه "سيعمل على بيع منتجات أرضه ومنتجات كل من يزرع خضاراً وفاكهة صيفية بسعر أرخص من السوق.


بدا بارعاً في مهنة البيع، خبر السوق باكراً، وعرف الغِشّ والتلاعب في الأسعار، التي ترتفع بشكل كبير في دكاكين الخضار، وأول الغيث يقول "ألام قليبانة. فأنا أبيعها بـ50 ألف ليرة، في وقتٍ يتراوح سعرها في المحال بين 80 و100 ألف"، مردفاً: "وضعت هامشَ ربحٍ بسيطاً، في وقت يستغل الباعة المزارعين، يشترون نتاجه بأرخص الأسعار، ويبيعونه بسعر مرتفع، وهذا حرام".


ساعات يمضيها يُوسُف أمام طاولته، ليتمكن من بيع بضاعته، عادة ما يقرأ بعض الكتب، من دون أن يترك اليأس أو الإحباط يتسلل إلى فكره، لافتا إلى أن "الناس يستغربون كيف لولد أن يعمل، وهناك من لا يشتري، ولكن أؤكد أنني أعمل لأساعد والدي وأوفر بعضاً من قسط المدرسة".


لا عجب أن دخل في زمن يضطر فيه أطفاله للعمل لكي يواصلوا دراستهم، في وقت تواصل الدولة وكل وزاراتها في سياسة تجويع الناس وفرض مزيد من الضرائب، وهو أمر بات قاب قوسين أو أدنى، ما يعني أن حتى الطبقة المعدومة ستنكفأ أكثر.