من أين يمكن أن نبدأ لمحاولة فهم واقع لبنان وإلى أين يتّجه؟
ترى النظريات الاجتماعية المختلفة أن هناك أربعة مستويات مترابطة للتشكل والفعل الاجتماعيين وتؤثّر في بعضها البعض لكن كلاً منها له هامش من الاستقلالية الذاتية، وهي: الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي. وعلى رغم أن المستوى السياسي يقود المستويات الأخرى، إلا أن أي اختلال في أحجام هذه المستويات الأربعة وأدوارها وطغيان احدها على الآخر يؤدّيان إلى تشوّهات في التركيبة. وبعد الثورة الصناعية بدأ المستوى الاقتصادي يتحرّر من سلطة الإقطاع والسلطة السياسية والاجتماعية. وقد أنتج هذا المستوى، لاحقاً، تعبيراته السياسية وتحوّل إلى سلطة اقتصادية، ثم سلطة سياسية تمثّلت بالدولة الرأسمالية المدنية الحديثة بأشكال مختلفة وصولاً إلى الدولة الديمقراطية. وترافق ذلك مع فلسفة الأنوار. وأعتقد أن الدولة الحديثة تحترم الاستقلالية النسبية لهذه المستويات. ولا أرى في هذا المقام تناقضاً بين مفهوم الدولة وحياد جهازها عند ماكس فيبر، ومفهوم الدولة كسلطة طبقية عند كارل ماركس. كلُّ واحد منهما تحدّث عن وظائف مختلفة للدولة. فللدولة وظائف سياسية إضافة إلى وظيفة إدارة المجتمع والحياة اليومية. وقد باتت الدولة مع دخول عصر الحداثة تبدو حيادية: صار الجهاز البيروقراطي مستقلاً، وصار هناك قانون، وصارت السلطة السياسية تتغيّر فيما جهاز الدولة ثابت نسبياً.
بلداننا لم تسر بهذا الطريق. لقد أخذنا شكل الدولة المدنية الحديثة، لكن في المضمون دولنا باتريمونيالية (إرثية/ سلطانية). وفي الفترة الأخيرة تحوّلت دولنا من الدولة الباتريمونيالية بالمعنى التقليدي إلى الدولة الغنائمية بالمعنى البشع والمتطرّف.
انطلاقاً من هذا، كيف تقرأ تاريخ لبنان الحديث والتحوّلات التي مرّ بها، ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً؟
لبنان، منذ 1920، مر بمراحل عدة، لكل منها تعبيراتها وصفاتها. مرحلة لبنان الكبير والجمهورية الأولى (1943) شهدت بعد الاستقلال محطتين بارزتين: عهد فؤاد شهاب والحرب (1975- 1990). فمنذ البداية كان هناك تفاوت ثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي بين جبل لبنان وبيروت وبين المناطق الأخرى. وكان المؤسسون بين خيارين لدمج المناطق والسكان: الطائفية والمواطنة. وقد اعتُمدت الطائفية أداة للدمج. فلبنان حتى فؤاد شهاب حكمته إئتلافات العائلات السياسية، التي نسمّيها الإقطاع السياسي. وكانت كل عائلة من هذه العائلات ذات نفوذ محلي لا امتداد وطنيّاً لها.
طبعاً، كان هذا الدمج مشوّهاً وطائفيّاً. والطائفية التي اعتُمدت في البداية آلية سياسية اجتماعية تحوّلت وظيفتها اليوم. كانت وظيفتها أن تبني فيدرالية للعائلات، بينما صارت وظيفتها اليوم تفكيك وتفتيت ما توحّد بحكم الآليات الاقتصادية والاجتماعية. طائفية اليوم ليست طائفية الأمس. ونظام اليوم ليس هو نظام الأمس. سابقاً كنا أقرب إلى النظام الباتريمونيالي التقليدي، اليوم صار نظاماً غنائميّاً.
بعد التحديث الشهابي، بناء المؤسسات والتمدن الجزئي ومحاولة تقليص التفاوت بين المناطق ودخول الأحزاب إلى المشهد السياسي، شهد لبنان في السبعينات من القرن العشرين اندماجاً في الاقتصاد العربي والعالمي من جهة، ومن جهة أخرى دخول فئات جديدة منها الاقتصاديون إلى السلطة. إلى أن اندلعت الحرب التي شكّلت هي الأخرى محطة تاريخية في هذا المسار.
فخلال هذه المراحل تقلص نفوذ العائلات الإقطاعية، اختفت غالبيتها وبقي عدد قليل منها. وقد باتت محكومة أكثر بالتحالف بينها وبين الطغمة المالية، إذا ما استخدمنا التعابير السائدة. مع الإشارة إلى أن قسماً أساسيّاً من هذه البرجوازية متحدر من العائلات الأرستقراطية التي دخلت التجارة. وقد تُرجم هذا الائتلاف، في لبنان الكبير والجمهورية الأولى توزيعاً للمهمات أو الحصص في البرلمان الذي تتمثل فيه العائلات السياسية، وفي السلطة التنفيذية التي بدأ يشارك فيها البرجوازيون وأصحاب المال. ومع الوقت أخذ يتنامى النفوذ الاقتصادي وبات مؤثّراً في الحياة الاجتماعية، وصار الناس يعيشون حياة عصرية، وانتشرت الطرق والآلات والتعليم... في ظل هذا الوضع نشأ نوع من التصادم ما بين النمط العصري الرأسمالي وبين النمط الباتريمونيالي التقليدي. وجرى ذلك على مراحل.
من تعابير هذا التصادم أن يأتي فؤاد شهاب حاملاً معه توجّهات حداثية أكثر استجابة لمسألتين، أولاً، أن تُحدَّث مؤسسات الدولة كي تتّسع للمكون الاقتصادي ولفئات اجتماعية تنمو في المجتمع؛ وثانياً، ردم الهوّة ما بين لبنان المركزي (جبل لبنان وبيروت) ولبنان الطرفي (المناطق الأخرى). فالدولة التي كانت قبل فؤاد شهاب للعائلات ومحسوبيّاتها باتت أضيق من المجتمع. العرض أقل من الطلب. بات لا يمكنها، مثلاً، ألّا تبني مدارس ومستشفيات في الشمال والبقاع والجنوب. واقترن ذلك مع فكرة بناء جهاز الدولة والمؤسسات العامة. وفيما صار لا بد من إجراء تغييرات سياسية، نشأ صدام ما بين التوجّه الطائفي التقليدي والتوجه التحديثي إذا جاز التعبير وإن بقي طائفياً. وبعد عهد شهاب بدأ هذا التوجه التحديثي بالانحسار، إذ اتحد في مواجهته الطائفيون التقليديون. لكن، فيما تراجع هذا التوجّه التحديثي في السياسة استمر في التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية. فمثلاً، تأسست الجامعة اللبنانية وانتشر التعليم.
لكن الحرب أوقفت ذلك. عنت الحرب بالدرجة الأولى أن نموذج لبنان الكبير 1920 والجمهورية اللبنانية 1943 وصلا إلى حدّهما التاريخي، والتغيير بات ضروريّاً. لهذا نمت الحركات الإصلاحيّة واليسارية والطلابية والنقابات. كان ذلك نتيجة ولادة طبيعية لهذا المسار من التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخارجية طبعاً. ففؤاد شهاب لم يصل إلى رئاسة الجمهورية بتسوية مصرية - أميركية فحسب، بل إن محتواه كان دمجاً ما بين التقليدي اللبناني والبعد الناصري التحديثي وما رافقه من تحولات عربية. ولا ننسى أن فؤاد شهاب كان على رأس الجيش الذي هو مثل الجيوش العربية التي أتى منها الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
ما تأثير الحرب (1975 - 1990) في هذا المسار؟
إبان الحرب صار العنف والقوة والسلاح والميليشيات والارتباطات الخارجية الأدوات الحاسمة في تشكيل المجال السياسي والثقافي. ثم كانت الوصاية السورية التي فرضت قواعد جديدة للعبة.
والنتيجة أن المستويات الأربعة التي لا تنمو في العادة متناغمة، إنما تنمو متناقضة ومتفاوتة، هي اليوم مختلّة لمصلحة المستوى السياسي. وأعتقد أن ذلك بدأ مع الحرب. فواحدة من وظائف الحرب كانت قطع رأس المستوى الثقافي الذي كان ينمو. وبالتالي، العودة إلى الطائفية. قبل الحرب كان الاختلاط متقدّماً. ولعبت الجامعة اللبنانية دوراً استثنائيّاً. وكذلك الحركة النقابية. وقد انتشرت الأفكار والتيارات الإصلاحية في لبنان كله. وكان لا بد، بالنسبة إلى السلطة والطائفيين، من وقف ذلك.
واليوم، نحن بحالة من التضخّم الفظيع للمكوّن السياسي الذي لا يشبه السياسة بمعناها الراقي. المكوّن السلطوي العنيف الذي يمسك بالسلطة الأمنية والعسكرية يحاول من موقعه أن يلوي عنق الثقافة والاجتماع والاقتصاد.

ما الأسباب التي أفضت إلى ذلك؟
خلال الوصاية السورية، منذ الحرب وبعدها خلال عهد الطائف، حصل تغير دراماتيكي. لقد قضت الوصاية (وهي في الحقيقة أكثر من ذلك، هي هيمنة واحتلال استمرا بتقطّع من 1976 حتى 2005)، على نظام الزبائنية والمحسوبية والولاء للزعماء المحليين وأحلّت بدلاً منه نظام المناهبة العامة، وفق تعبير الدكتور أحمد بيضون، وبتنا في حالة متطرّفة من دولة الغنيمة. ففي ظل النفوذ السوري فقد الزعماء اللبنانيون النفوذ المحلّي. بات المندوب السامي السوري هو من يعطي النفوذ. فمع اتفاق الطائف مُنح لبنان كلّه هدية وغنيمة للنظام السوري، لقاء مشاركته في حرب الخليج ضد الجيش العراقي الذي احتل الكويت. وكان لبنان غنيمة سياسية واقتصادية، وطبعاً أمنية. لبنان كان المكان الأساسي لحل الأزمات الاقتصادية السورية. لقد ألغت الهيمنة السورية النفوذ الجزئي المحلي للزعماء اللبنانيين وأحلّت مكانه نفوذ الأطراف المرتبطة بها، مثل سليمان فرنجية ونبيه بري وغيرهما، إضافة إلى ترك "حزب الله" ينمو بديناميّته الخاصة بالعلاقة الإيرانية السورية. وبما أن لبنان كله صار غنيمة، احتكرت الهيمنة السورية آليّات الاستحواذ والنهب. صارت الهيمنة السورية مركز تلك الآليّات. وبات لبنان تحت سيطرة جهة واحدة، خارجية، حاله مثل حال البلدان العربية المحكومة بحزب واحد. ولم تكن الغاية السيطرة على لبنان فحسب، بل نهبه. فمثلما كان على كل من يريد أن يصل إلى البرلمان أو أي موقع في الدولة أن يحظى برضى غازي كنعان ورستم غزالي بعده، كان كل نشاط إقتصادي أو إعماري لا يمر من دون خوّة تحصل عليها القوى المهيمنة. وقس على ذلك. وكل حاجز للجيش السوري كان يمارس عملية النهب نفسها. وبهذا، جرت مركزية نظام النهب وتعميمه حتّى صار شاملاً. وعندما انسحب الجيش السوري بقي هذا النظام، لأن اللبنانيين الذين تدرّبوا على يد الهيمنة السورية صاروا أكثر توحّشاً.
وكيف تقرأ مرحلة ما بعد الحرب ومشروع رفيق الحريري؟
الرئيس رفيق الحريري، في هذا المسار، يشبه الرأسمالي القديم في نظام ما قبل الهيمنة السورية. لكنّ هذه المرّة كان يُحدث تحوّلات على مستوى البورجوازية اللبنانية، التي باتت تميل إلى الارتباط والاندماج بالاقتصاد العالمي. فالحرب عزلت لبنان عن العالم. انهار الاقتصاد ما بين 1975 و1990 لكن لم يكن على لبنان ديون خارجية على خلاف معظم الدول النامية. ومما شهدته سنوات الحرب أن انهارت العملة الوطنية بينما بقي النظام المصرفي بل تنامى وازداد قوّة.
وقد جرّب الحريري المساكنة مع المستوى السياسي، مع الزعماء والهيمنة السورية التي ترعاهم وتمدّهم بالقوة والنفوذ. سعى إلى تكرار تجربة المساكنة بين الإقطاع السياسي التقليدي والبورجوازية اللبنانية، التي قامت على أساس تبادل المصالح. وكان هو ممثل الاقتصاد، لكن هذه المرة على نحو مركزي وليس تجميعيّاً كما حصل في السابق. وكان هناك فارق آخر، هو أن الرأسمال اللبناني بات شديد الارتباط بالرأسمال العربي والعالمي. وصار الرأسمال الخليجي جزءاً من الاستثمار الداخلي ومن تكوين ثروات التجار اللبنانيين. وارتبط لبنان أكثر بالنظام العالمي من خلال وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين والاقتراض. وهذا الاندماج جعله يعاني من المشكلات الدولية نفسها.
هذه هي الصفقة بين الخليج وسوريا التي أفضت إلى اتفاق الطائف. تُمنح السيطرة السياسية والأمنية لدمشق، على أن تترك الاقتصاد للحريري وتستفيد هي من ذلك، عبر الخوّة والتنفيعات. وهذا ما جعل الحريري المصدر الأساسي للخوّة التي يتقاضاها الطاقم السوري. وقد استفادت سوريا من علاقاته الدولية أيضاً. وأعتقد أن الحريري راهن على عملية السلام في المنطقة. ولعله كان يعتقد أن التنافس بين الاقتصاد والسياسة دائماً ينتهي إلى فوز الاقتصاد، خصوصاً مع تراجع البعد الأمني والسياسي. لكن ذلك ليس صحيحاً في كل مكان في العالم.
خلال هذه الفترات المتعاقبة، تغيّرت صيغة النظام، وطبيعة الدولة، والطائفية ووظائفها.
ما دور الطائفية في ما رويته وكيف كانت وما التغيرات التي طرأت عليها؟
الطائفية مرّت بمراحل عدة، أبرزها مع فؤاد شهاب والحرب وما بعدها. لقد هذّب شهاب الطائفية ودفع في اتجاه أن تُمثل الطوائف، ولا سيما الطائفة المارونية، عبر أحزاب. وسعى إلى تحديث الزعامات. وإذ كان له ذلك في طوائف، مثل الموارنة التي تقدّم فيها حزب الكتائب، أخفق في طوائف أخرى. وكان ذلك تعبيراً عن الحاجة إلى مؤسسات سياسية طائفية من النوع الحديث. وقد تقدّمت في تلك الأيام أحزاب غير طائفية، منها الحزب الشيوعي الذي ساير الشهابية وتحالف مع زعامات مثل رشيد كرامي. وقد دفعت إجراءات شهاب، لتهذيب الطائفية وبناء المؤسسات وتوسيعها لتضم قوى جديدة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وتقليص الفوارق بين المناطق، القوى التقليدية إلى التكتّل والانقضاض عليه.
والحرب جعلت كل زعيم محلي إما ينخرط فيها أو يفقد دوره. وعندما بدأ الزعماء الجدد يتوافدون على الساحة تعاملوا مع الزعماء القدامى الذين بقوا على الساحة. نبيه بري مثلاً، فيما سعى إلى إنهاء زعامة كامل الأسعد الذي لم يؤسس ميليشيا تحالف مع عبد اللطيف الزين وعلي الخليل والعشائر في البقاع الشمالي.
الفارق بين اللعبة الجديدة واللعبة في النظام القديم، هو أن سابقاً كان هناك زعماء محليّون في الطوائف، وتفاهماتهم أو اختلافاتهم تنتج مَن يمثل الطوائف في مؤسسات الدولة، ولم يكن هناك زعيم ماروني أو سني أو شيعي أو درزي واحد، وبالتالي كان نفوذ الزعيم الأقوى في كل طائفة يصدر عن تجمع الزعماء والعائلات في طائفته، بينما بعد الحرب وفي ظل الهيمنة السورية صار العكس هو القاعدة. صار رفيق الحريري، أو نبيه بري، هو من يصنع ممثليه في المناطق بعدما كانت الزعامات المحلية في المناطق تصنع الزعيم القوي. حصل ذلك بقوة ووضوح في الطائفة السنية، وفي الطائفة الشيعية مع تحالف بري وحزب الله، وإلى حدٍّ ما في الطائفة الدرزية مع بقاء زعيمين متفاوتي القوة. أما مسيحيّاً فإن تعدد الزعامات بقي موجوداً، لا سيما أن الزعماء الأقوياء كانوا خارج السلطة والتحالف مع الهيمنة السورية.
بالتالي، أجل، الطائفية تغيّرت في هذا الاتجاه. لقد كان نفوذ الزعماء أو الطوائف يُستمد من النفوذ المحلي ليتمثّل فيدرالياً على المستوى المركزي في الدولة، بينما الآن صار النفوذ المحلي يُستمد من النفوذ المركزي. الطوائف صارت مركزية وعلى المستوى الوطني، ولم تعد متعددة وعلى المستويات المحليّة. وصارت الطوائف تُختزل بزعمائها. هكذا صارت الميثاقية هي أن يتمثّل الزعماء لا الطوائف. وصار زعماء الطوائف، الكبرى منها خصوصاً، يمتلكون حق الفيتو، ولا يمثل طوائفهم إلا هم. ومن هنا أقول إن وظيفة الطائفية تغيّرت، باتت تفتيت ما توحّد. وقد عزّزت الهيمنة السورية هذا المسار.

بناء على هذا، ما هي العوامل التي أفضت إلى الأزمة السياسية والانهيار الاقتصادي والمالي في 2019؟
هناك مجموعة من الأسباب المترابطة والمعقودة بالمشكلات البنيوية في النظام والسياسات المتّبعة. أعتقد أن اتفاق الدوحة و7 أيار 2008 من المقدّمات السلبية. فتأثيرهما زاد الشرخ في ما بين القوى السياسية، وفي ما بين اللبنانيين واللبنانيات عموماً. وقد نقل اتفاق الدوحة العطب والصراع السياسي إلى داخل المؤسّسة التنفيذية التي دخلها "حزب الله"، وبدأ مذاك ما يُعرف بالثلث المعطّل. ثم جاءت الأزمة السورية في 2011، التي يتفوق تأثيرها في المستوى السياسي والمؤسّسي، على التأثير الاقتصادي.
قبل الأزمة السورية كان في إمكان الأطراف اللبنانية التوصّل إلى تسويات في ما بينها. ولو كانت تلك التسويات سيئة إلا أنها تسويات. والأهم هو أن الأطراف اللبنانية كانت تجلس مع بعضها البعض. لكن، مع الصراع السوري ودرجة الارتباط المرعب بين السياسة الداخليّة والسياسة الخارجية تحوّلت الأحزاب اللبنانية السلطوية (مكوّنات النظام) إلى مجرّد امتداد للصراع الخارجي، وفقدت بعدها اللبناني. الضرر الأكبر للحرب السورية هو أنها عطّلت السياسة. وتعطّلت معها إمكانية التسويات الداخليّة، وتعطّلت المؤسّسات والخدمات. الانقسام جعل القائمين على البلد عاجزين حتّى عن اتخاذ قرار في شأنٍ نقدي أو مالي.
يُضاف إلى هذين السببين التسوية الرئاسية في 2018، بعد فراغ دام سنتين ونصفاً. التسوية هذه التي قضت على التعدد داخل السلطة كانت ترجمة للتعطيل الكامل الذي أنتجته الأزمة السورية. وكانت تعني إضعافاً لمكوّنات وفئات إضافية في السلطة.
إسقاط اتفاق الدوحة والتسوية الرئاسية
يرى الباحث أديب نعمة أن انتفاضة "17 تشرين الأول" 2019 نتيجة طبيعية لما يتراكم من مسارات سابقة.
ويقول: انتفاضة 14 آذار، التي أفصل ما بينها وبين تحالف قوى 14 آذار، هي حركة شعبية. الاختلاف الأبرز بين انتفاضة 14 آذار وانتفاضة "17 تشرين" هو أن مطلب 14 آذار وقف هيمنة نظام البعث على لبنان وانسحاب الجيش السوري جعل مزاج المنتفضين من مواطنين ومواطنات وحزبيين وحزبيات متناسباً. وبالتالي، كان الجمهور خليطاً من مواطنين وحزبيين، وكان عابراً للمناطق. أما في "17 تشرين" فالوضع كان مناقضاً لذلك. كانت نقطة الصدام داخليّة، ضد النظام، وضد الأحزاب التي منها أحزاب شاركت في 14 آذار. إذاً، معناها الاجتماعي والسياسي والثقافي أعمق وأبعد مدى وأكثر تعقيداً. ففي المواجهة مع سوريا، كان هناك جمهور حزبي وجمهور غير حزبي، بينما في "17 تشرين" كان الجمهور غير حزبي. ونقطة الصراع هي نقطة إصلاح داخلي. وبهذا تشبه "17 تشرين" الربيع العربي.
يعيدنا هذا إلى ما جرى في لبنان في مطلع 2011 بتأثير من الربيع العربي. ويؤكد ذلك، إضافة إلى التوقيت، الشعار الذي رُفع وهو "إسقاط النظام الطائفي"، الذي أُخذ عليه أنه صوّب في الاتجاه الخطأ. ففكرة إسقاط النظام تذهب ضد الدولة بدل زعماء الطوائف، ونحن دولتنا ضعيفة ويجب أن نعمل لحمايتها وليس لإضعافها أو إسقاطها.
ثم جاء حراك 2015 ضد الفساد والصفقات لمناسبة أزمة النفايات. وكان ذلك محطة أساسية و"بروفة" لانتفاضة "17 تشرين الأول" 2019.
أقرأ "17 تشرين" كحركة شعبية تريد استرداد الدولة ممّن يدمّرونها. وقد لاح في هذه الانتفاضة تحوّل ضد الأحزاب، وخروج نسبي من الطائفية. وإذ أحتفي ببروز التنوع الاجتماعي ولا سيما النسوي والشبابي، أفهم التنوّع السياسي في "17 تشرين" الذي يضم طيفاً يقدّم السيادة على كل شي، ويركّز نقده على حزب الله، وطيفاً آخر يقدّم البعد الاقتصادي. فانتفاضة "17 تشرين" اتسعت لكل التلاوين الموجودة موضوعيّاً في المجتمع اللبناني وشارعه الاعتراضي على قوى السلطة. ويجب ألا نقرأ تلك الأطياف وخطاباتها كمؤامرات حاكتها قوى السلطة.
إضافة إلى هذا، "17 تشرين" بالمعنى السياسي الوظيفي هي إسقاط لاتفاق الدوحة والتسوية الرئاسية. لأن هذين هما عنصرا التعطيل للدولة. من هنا، أعتبر أن "17 تشرين" حققت إنجازاً ضخماً. إلا أن ذلك لم يُستكمل. فمحطّة التغيير عندي تتمثل في إنتاج مشروع إصلاحي اقتصادي اجتماعي سياسي. السياق الطبيعي كان أن تقول "17 تشرين" إنها ضد التسوية الرئاسية واتفاق الدوحة ويجب أن نذهب نحو استعادة الدولة، واستعادة الدولة هنا ليست ضد حزب الله فحسب بل أن تقوم الدولة بوظائفها، واستعادة السيادة، والعمل لإلغاء الطائفية من خلال ما أقرّه اتفاق الطائف، والعدالة الاجتماعية ضد الغنائمية في السلطة. وما زالت هذه المهمّة قائمة.