رفيق خوري

سيناريو يوم القيامة: أي تأسيس جديد؟

3 دقائق للقراءة

المناخ السياسي مشحون بما يصعب أن يتحمله، لا بلد في هاوية أزمات مثل لبنان بل بلد في وضع عادي. وأقل ما يوحيه المستوى الخطير الذي وصلت اليه عملية الشحن المتعدد الأبعاد هو ان ما نسمعه ليس خطاب شركاء في وطن وميثاق. فهو نذير بأننا على الطريق الى سيناريو يوم القيامة. لا فقط يوم جلسة

14 حزيران بل أيضاً في الباقي من أيام الجمهورية والرئاسة. ولا شيء يبرر كل هذا. لا الخوف، ولا الطموح. لكن اللعبة الخطرة تبدو مغرية. وهي تدار في فصلين: أولهما تحويل ازمة الرئاسة، شغوراً وإمتلاء، أزمة نظام. وثانيهما إغلاق الباب على أي حل لأزمة النظام بالأدوات والآليات الدستورية.

ومن هنا تنوع الخيارات النظرية للخروج من مشكلة واقعية واحدة، بعدما كانت أوراق معظمها مطوية. فكل طرف رأى او قادته الأحداث لأن يرى ان ساعة خياره لم تأتِ بعد، يسمع الآن دقات الساعة. وكل طرف يترجم دقات الساعة كما يريد. من المؤتمر التأسيسي الى الفيديرالية او أقله اللامركزية الإدارية الموسعة. ومن اكمال تطبيق الطائف نصاً وروحاً بعد الانقلاب عليه الى طرح المثالثة والمداورة بين الرئاسات. من البكاء على الإنتداب الفرنسي والسلطنة العثمانية الى تمني الإنتداب الدولي على لبنان. ومن المطالبة بمؤتمر دولي يكرس حياد لبنان الى ترك الإنهيار يكتمل على طريقة «التدمير الخلاق».

ولا شيء من كل ذلك يبدو ممكناً او بكلفة اقل من كلفه الأزمة. فمن السهل القول ان لبنان كان «غلطة جغرافية» او «غلطة تاريخية»، مع انه صواب وطني وتجربة عيش مشترك بالمعنى السياسي لا مثيل لها في الشرق. والأسهل هو الغرق في تصور النهايات والتركيز على بداية جديدة. وحسب التصور، فإن الكيان الذي اقيم على يد الجنرال غورو تبدلت ظروفه، ودولة الإستقلال انتهت بالحرب، وجمهورية الطائف كانت مرحلة مؤقتة. اما البداية الجديدة، حسب التصور ايضاً، فإن «المقاومة الإسلامية» قادت اليها، بحيث صارت المقاومة هي الثابت ولبنان هو المتغير، وهي عماد التأسيس الجديد للبنان. لكن بناء الأمم أشد تعقيداً وصعوبة من القراءات المبسطة في الثوابت والمتغيرات.

ذلك ان لبنان عصي على اللعب بأساسه، ومهما يكن مأزوماً. ومن الوهم التغلب على التعدد فيه بقوة العدد. وإذا كان التحكم به ممكناً في ظل دولة ضعيفة وسلطة مركزية أضعف من «سلطات» أمراء الطوائف، فمن المستحيل حكمه على يد مذهب واحد مهما يكن متماسكاً وسلاحه قوياً.

فضلا عن ان التطورات ليست في اتجاه واحد. فلا مستقبل لبنان الذي لا مهرب منه هو ان يكون «جبهة أمامية» في حرب المشروع الإقليمي الإيراني. ولا المشروع الإيراني هو مستقبل المنطقة. لا العرب، وهم اكبر شعوب الشرق الأوسط، صاروا من الماضي وتركوا المسرح العربي لأدوار القوى الإقليمية. ولا معنى لتكبير الحجر والطموحات لأن ما يحتاجه لبنان بشدة اليوم هو إنتخاب رئيس يعيد الإنتظام العام ويعمل مع قوى الداخل والأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين على الإنقاذ المالي والإقتصادي والإجتماعي.

ولبنان ليس خارج العالم والمبدأ القانوني العالمي القائل: «لا يجوز للمرء أن يحتمي بغشه».