لا شكّ في أن ثمة متغيرات إيجابيّة في الثقافة الاجتماعية في لبنان.
كثيرة هي العوامل المحركة في ذلك، منها انتشار التعليم وارتفاع مستواه، والتواصل الاجتماعي المفتوح على الكوكب الذي بات قرية عالمية. ولعدد من منظمات المجتمع المدني دور في ذلك، خصوصاً منها الجدية والناشطة في مواجهة العنف الأسري والتحرّش والتمييز بين الجنسين والتنمّر...
على الرغم من ذلك، لم يراجع اللبنانياتُ واللبنانيون ثقافتهم الاجتماعية، ولم يصفّوها، ولم يفحصوا بديهيّاتهم. وكذلك لم يراجعوا لغتهم التعاملية وقاموسهم الحياتي اللذين يحملان كثيراً ممّا يناقض التغيّرات وثقافتها والقيم.
يبرز ذلك في المخزون الذكوري تجاه المرأة، حتى من بعض المؤيّدين لحقوقها ومطالبها ومكتسباتها. وهو ما تتصدّى له، منذ سنوات، الحركة النسوية والمناضلات والحقوقيات والباحثات. وقد حقّق ذلك إنجازاتٍ، ويحتاج إلى متابعة وتطوير وجهد علمي وثقافي وسياسي.
كذلك يحضر في تصوّرات الطوائف كلٌّ إلى الأخريات. ولهذه أيضاً مَن يخوض الحروب دفاعاً عنها وهجوماً على الأخريات.
أما الأمثال الشعبية "فتفضحنا" كما يقول عميد الأدب الشعبي سلام الراسي. فيها من كل هذا، ومن العنصرية والطبقية واللاإنسانية واللارفق بالكائنات ما يثير الدهشة والعجب.
ما لم يجد مَن يثيره ويعمل لمعالجته واقعياً وثقافياً، هو المخزون المسيء إلى ذوي الإعاقة والمرضى والفئات الهشّة والمهمّشة. وهو "تراث" حيّ لا يقل حجماً وحضوراً وخطورة عن "التراث" الذكوري والطائفي والعنصري والطبقي.
كأن يقال: "عالعمياني"، "أعمى القلب"، "حب أعمى"، "إضرابٌ شلَّ البلد"، "الحكومة العرجاء"، "السلطة الطرشاء"، "السياسة العقيمة"، "الجريمة تنتشر مثل السرطان"، "حالة عضال ميؤوس منها"، "نموذج يتيم"، "إجهاض المحاولة"، "طبقة سياسية منفصمة عن الواقع"، أصابه الخرس"، "حركات ولاد"...
وكأن يصف أحدٌ أحداً، في حضوره أو في غيابه، بـ"المعاق" أو "العاهة" أو "الأحوَل" أو "المريض نفسيّاً" و"المعقّد" و"الأصلع"...
وغير ذلك كثيرٌ.
وإذا كانت الإساءة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى والفئات الهشّة والمهمّشة، واضحة في الشتيمة، فإنها في الحالات الأخرى تسللية. وعلى رغم ذلك هي في الحالين إساءة لا مبرّر لها ويمكن تلافيها بسهولة. والأمر أخلاقي بقدر ما هو عقلي ولغوي. فوصف الإضراب والحكومة والسلطة والسياسة والجريمة... يمكن أن يكون بعبارات أصح وأدق ومفكّر فيها وغير مسيئة إلى ذوي الإعاقة والمرضى والفئات الهشّة والمهمّشة. وكذلك الشتيمة يمكن أن تكون "أقوى" و"أفصح" وتصيب الهدف من دون الإساءة إلى مَن هم غير معنيين بالأمر.
والمؤلم هو أن هذه "الأخطاء الشائعة"، وهي أكثر من ذلك في أحيان وحالات كثيرة، ليست على الألسن، وفي الشارع، فحسب، بل تُقرأ في كتب وصحف ومواقع، وتُردّد على الشاشات والمسارح، وفي الخطابات والسجالات. ويكرّرها متعلّمون ومتعلّمات.
ويجوز القول مع ابن القيم الجوزية: "إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم".