يستكمل الباحث والمؤرّخ جو حتّي عرض أعماله الكتابية وتأريخ مسيرة الموارنة والمسيحيين واللبنانيين. ويحاول معاكسة الظروف التي تمرّ بها البلاد للقول: «إننا أبناء الحياة وهذا البلد وجد ليبقى ولن تستطيع قوى الظلام حرف الرسالة التي قام من اجلها لبنان».
يقول الفيلسوف شارل مالك إبن الكورة الخضراء: «إذا أردت ان تتغلب على شعب نسِّه تاريخه»، ووفقاً لخطورة هذه المقولة يحاول جو حتّي الذي ينحدر أيضاً من بصرما - الكورة السباحة عكس التيار، ففي زمن غزو وسائل التواصل الإجتماعي، يعمل حتّي للحفاظ على الكتاب، فمن دون ثقافة وإطلاع ومعرفة لا يمكن التطوير، فكيف الحال في هذه المرحلة الصعبة التي يجب العودة فيها إلى الجذور لمعرفة كيف واجه الأجداد وبناة هذا الكيان الفترات الصعبة والعصيبة.
وينضم الكتاب الجديد لحتّي الذي يحمل عنوان «ملحمة الستة عشر قرناً في التاريخ» والذي سيوقعه يوم الجمعة 23 حزيران الساعة الخامسة والنصف في حديقة جبيل العامة، إلى سلسلة كتب وقعها سابقاً وتناولت تاريخ لبنان القديم والحديث والنضالات المسيحية. ويخصّص هذا الكتاب للحديث عن سيرة البطاركة الـ77 الذين صمدوا مع شعبهم في الجبال والبراري وتحدّوا كل الغزوات رافضين أن يكونوا أهل ذمة ويدفعوا الجزية.
ينطلق حتّي في كتابه من البطريرك الأول للموارنة مار يوحنا مارون الذي أسّس الكرسي البطريركي وتنقّل بين إنطاكيا وكفرحي البترون، ويشرح كيف وضع المدماك الأول لبناء لبنان الذي نعرفه حالياً وواجه الغزاة وهزمهم.
ويفنّد في كتابه مرحلة كل بطريرك ويشرح سيرته ومسيرته النضالية، والمقرات التي اتخذها لبطريركيته بعد التهجير من انطاكيا، ويسرد كيف عاش البطاركة في كفرحي ووادي حربا ويانوح وميفوق ووادي قنوبين ومن ثمّ الديمان وبكركي.
وإذا كان حتّي يتعمّق في الشقّ النضالي مع البطريرك الأول مار يوحنا مارون وبقية البطاركة مثل دانيال الحدشيتي الذي استشهد على يدّ المماليك وجبرايل حجولا الذي استشهد في طرابلس وبولس مسعد الذي شهد على مجازر الجبل عام 1860 وأب لبنان الكبير البطريرك الياس الحويك وما عانى من جمال باشا السفّاح ونجح في خلق كياننا الحالي، إلا انه لا يهمل الشقّ التطويري والتقدمي الذي كان يمتلكه البطاركة من خلال بناء المدارس والتعليم، وقد بلغ هذا التقدّم العلمي ذروته مع البطريرك العلاّمة إسطفان الدويهي الذي أحدث نقلة نوعية في الكنيسة والمجتمع.
ويضيء حتّي على الشق الايماني للبطاركة وقداستهم، ويسلط الضوء على البطريرك مار إرميا العمشيتي الذي ذهب الى روما عام 1215 داخلاً المجمع العام وهو يرتدي عباءة حبساء جبل لبنان، الأمر الذي أثار سخرية الكرادلة الرومانيين الأوروبيين. وعندما حان يوم البطريرك إرميا لإقامة الذبيحة الإلهية، ولما وصل إلى شَيلةِ كأس القربان، رفعه ثم أنزل يديه إلى المذبح فبقي الشعاع الأقدس مرفوعاً في فضاء الكاتدرائية. حينها سجد الكرادلة ورؤوسهم إلى الأرض مُجهشين بالبكاء مُستغفرين مار إرميا القديس. وصورة البطريرك يقدّس والقربان فوق رأسه رسمت في كنيسة مار يوحنا في روما ولا تزال ظاهرة للعيان حتى يومنا هذا.

أحداث كثيرة مرّت خلال ولاية الـ77 بطريركاً، يدونها حتّي ويمرّ على أصعب اللحظات التي كادت أن تنهي وجود الكيان المستقل، مثل دخول الأمويين والعباسيين ومجازر المماليك في الجبة والدخول العثماني وحرب الجبل الأولى والثانية وحقبة القائمقامية والمتصرفية وحصار الجبل عام 1915 ومصرع نحو 200 ألف من سكانه جوعاً وصولاً إلى لبنان الكبير والإستقلال ومحاولة استباحة الفلسطينيين للبنان ودخول الإحتلال السوري.
وإذا كان التاريخ يُؤرّخ بعد حين إلا أن حتّي لم ينسَ ذكر بطريرك الإستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير وبطريرك الحياد مار بشارة بطرس الراعي الذي يقود مسيرة الإنقاذ والذي يواجه أصعب أزمة في تاريخ لبنان تهدّد الكيان وقد تضرب كل النضالات السابقة.
من يقرأ التاريخ يهون عليه معرفة سبل مواجهة تحديات الحاضر ويستطيع التخطيط للمستقبل، وما فعله حتّي هو تأريخ لكل مسيرة البطاركة والشعب معهم، لعلّ الجيل الحالي يقرأ ويُحلّل ويتثقّف ليواجه الصعاب بدل الإستسلام والتعامل مع هذا البلد وكأنه «فندق» يغادره ساعة يشاء، بينما الحقيقة أن هناك أجيالاً روت هذه الأرض بالدماء وذاقت المشقات لنحصل على بلد لا أن نكون شعباً مشرّداً في أصقاع العالم.