أصل الجبال قد يكمن في أعمق نقاط الأرض

3 دقائق للقراءة

تتألف سلاسل الجبال المعقدة من صفائح الأرض التكتونية التي تتصادم ببعضها بوتيرة شديدة البطء. نتيجةً لذلك، يهبط جزء من قشرة الكوكب تحت السطح، فيما تصل أجزاء أخرى إلى ارتفاعات أعلى مستوى. لكن قد لا تقف القصة عند هذا الحد.



في جبال «كالابريا» في جنوب إيطاليا، يكشف بحث ميداني جديد أن قوى أكثر عمقاً في وشاح الأرض قد تكون مسؤولة عن ارتفاع بعض الأجزاء على السطح، إلى جانب نشاط الصفائح التكتونية.

كان المشرفون على الدراسة الجديدة قد استعملوا منطقة «كالابريا» سابقاً لتسجيل الشريط الجيولوجي، وقد حللوا عمر الطبقات الصخرية وتركيبتها الكيماوية لاستكشاف تاريخ ارتفاع مستوى الجبل على مر 30 مليون سنة.

في مراحل معينة من الماضي، كان ذلك الارتفاع بطيئاً نسبياً، فأنتج رقعاً مسطحة ومرتفعة. ثم أصبح سريعاً نسبياً في مراحل أخرى، فشكّل مساحات أكثر انحداراً. لكن لم تكن هذه الحركة تتماشى عموماً مع معدلات اندساس الصفائح التكتونية تحت الجبال. حتى أن نشاط القشرة يبدو عاملاً ثانوياً في هذه العملية.

في هذا السياق، يقول عالِم الأرض، شون غالين، من جامعة ولاية كولورادو: «بناء الجبال عملية أساسية لتوجيه تحركات الأرض، وتكشف الدراسة الجديدة أننا لم نكن نفهم هذه الظاهرة بقدر ما نظن».

بعد تحضير نموذج عن وشاح الأرض والتيارات الحرارية فيه، يظن الباحثون أن خلية الحمل الحراري قد تكون مسؤولة عن بناء الجبل هناك. تظهر هذه الخلايا حين تؤدي الحرارة المنبثقة من نواة الأرض إلى تحرك الصهارة السائلة في الوشاح بطريقة دائرية، ما يؤثر على النشاط التكتوني فوقها.

قد تشمل النماذج المستعملة مجموعة من الفرضيات حول ما يدور تحت الأرض، لكن يبدو هذا التفسير محتملاً. يُفترض أن نجمع معلومات إضافية عن هذا الموضوع بفضل البيانات المرتبطة بحركة الصفائح التكتونية وارتفاع مستوى الجبل والسجلات الصخرية.

يُعتبر هذا الجزء من العالم مناسباً لإجراء هذا النوع من الدراسات لأنه لا يزال ناشطاً من الناحية الجيولوجية، وهو يقدم أدلة مهمة عن المشهد الراهن وماضيه في آن.

جمعت الدراسة أيضاً بين تقنيات متنوعة، مثل التسلسل الزمني الحراري وسجلات عن مستويات البحر السابقة وراء الصخور، ما يسمح بالعودة إلى حقبات أقدم مما سمحت به التقنيات السابقة.

يوضح غالين: «تثبت نتائجنا أن الطريقة النموذجية التي ننظر بها إلى بناء الجبال قد لا تنطبق على جنوب إيطاليا. يبدو أن هذه المنطقة تتأثر بعوامل تقع على مساحة أكثر عمقاً داخل نظام الأرض. ظهر هذا السلوك في نماذج سابقة، لكنه لم ينشأ في الطبيعة يوماً. إنها المرة الأولى التي نرصد فيها هذه الظاهرة».

إبتكر الباحثون جزءاً من برمجيات النمذجة المفصلة التي يستطيع خبراء آخرون استعمالها، ويقال إن النتائج الأخيرة قد تمنحنا معلومات إضافية عن طريقة تشكيل الجبال وارتفاعها في جميع أنحاء العالم.

لكن يجب ألا ننسى أن مجموعة متنوعة من القوى والعوامل تؤثر على بناء الجبال، وقد اتضح ذلك في الدراسات السابقة. بالإضافة إلى النشاط التكتوني، يُعتبر وجود الكائنات المصغرة ومظاهر التجوية والتعرية من العوامل المهمة أيضاً.

يصبّ التركيز راهناً على القوى الواقعة في عمق سطح الأرض، ومن المتوقع أن تجري أبحاث أخرى لتحليل طريقة تأثير خلايا الحمل الحراري على نمو الجبال ودورها في تشكيــل المناظر الطبيعية الشاسعة التي نشاهدها اليوم.

في النهاية، يستنتج غالين: «أنا أعمل في منطقة البحر الأبيض المتوسط منذ 15 عاماً، وقد غيّرت هذه النتائج الأخيرة طريقة تفكيري بمناطق الاندساس بشكلٍ جذري».

نُشرت نتائج البحث في مجلة «ناتشر جيو ساينس».