أعتقد أن القيمة الأساسية لكتابك الجديد، "سؤال المصير"، هي تقديمه السياسة والجيوسياسة على الأبعاد الأخرى التي وجّه إليها المفكرون العرب نقدهم، الدين الإسلامي في مقدّمها، باعتبارها أسباباً لتدهور حال العرب أو تأخرهم وتقدم غيرهم. كيف تقرأ هذا الكلام في مسيرة الفكر العربي المعاصر؟
صحيح أعطيت في هذا الكتاب أهمية أساسية للبعد الجيوسياسي والسياسي في تحليل مصائر المجتمعات ومنها العربية. فنحن جزءٌ من عالم واحد. والعالم الواحد يعني منظومة من القوى والجماعات المترابطة تؤثر واحدتها بالأخرى وتتأثر بها، ولا يعيش كل منها بمعزل عن الأخرى. وهو عالم لا يكف عن الاندماج وتندرج فيه الدول والجماعات ضمن منظومة واحدة من علاقات السيطرة والهيمنة والتبعية أو الاعتماد المتبادل تحكمها ديناميكيات الصراع والتنافس على الموارد وفرص التقدم والابتكارات وموازين القوى (حتى الآن على الأقل).
وَضعت العولمةُ الجميعَ في مركب واحد: جغرافية سياسية مترابطة، سوق اقتصادية مفتوحة، قيم ثقافية كونية أساسية مشتركة، وتطلعات وطموحات واحدة للشعوب والجماعات والأفراد. ولم يعد هناك مجتمع يمكن فهم مساره بعوامله الداخلية فحسب، وبصرف النظر عن التفاعلات التي تجري بين عناصره وأجزائه والأطراف العالمية المحيطة به. يُضاف إلى ذلك ويفاقم من هذا الأثر الجيوسياسي الذي أصبح مع تقدم العلوم والتقنيات ووسائل التواصل والاتصال الكونية، عالماً أكثر حيوية، دائم الحركة وسريع التحول بحيث تظهر نتائج التغيرات العلمية والتقنية والسياسية بشكل مباشر في كل أنحاء العالم تقريباً. لهذا لا يستطيع أي نظام فرعي أن يحظى بهامش ولو كان محدوداً للمبادرة المستقلة ما لم يتمكن من بناء قدرات ذاتية خاصة به أو بالتعاون مع أنظمة أخرى قريبة ومشابهة، تمكنه من الحفاظ على الحد الأدنى من استقراره وتوازناته الداخلية. وإلا فهو يحكم على نفسه بالتفكك والزوال.
باختصار، لم يعد يجدي في تفسير التاريخ الخاص بأي مجتمع التركيز على عناصره وخصوصياته وحدها، ولا بد من وضع مآل هذه العناصر المتغيرة ذاتها، وفي مقدمها الهوية الثقافية والسياسية أحياناً، في سياق التفاعلات العامة والديناميكيات التي تحرك المنظومة العالمية بأكملها وتعيد صياغتها على مستوى التوزيع الجيوسياسي والاقتصادي ووجود الدولة نفسها أو غيابها. والمجتمعات الحية هي التي نجحت في التكيف مع تغير شروط البقاء وبناء أطر متجددة سياسية وثقافية واقتصادية وجيوستراتيجية تحفظها من التفكك وتؤهلها لخوض الصراعات الراهنة والمقبلة. هذا ما فعلته المجتمعات الأوروبية منذ عقود عندما أقامت الاتحاد الأوروبي بعد عقود طويلة من الحروب الدموية، فانتجت نظاماً أوروبياً هو الذي حمى الدول الأوروبية من الانجراف مع تقدم تيار العولمة. وهذا ما فشل في تحقيقه العرب لأن نخبهم اعتقدت أن الأمور ثابتة وأبدية، وتعاملت مع الدول التي نشأت عن نزع الاستعمار على أنها مزارع خاصة لشرائح اجتماعية محظوظة ومحدودة. وها هي تنهار واحدتها بعد الأخرى وتعلن إفلاسها.
على رغم أن توجهك ليس جديداً، إلا أنه يمكن سؤالك عن تأثرك بالأحداث التي شهدها العالم العربي في السنوات الماضية، ومنها الربيع العربي والثورة السورية؟
بالتأكيد عكست أبحاثي السابقة بالفعل إيلائي الأهمية للتحليل الكلي على حساب التحليل الجزئي والقطاعي. وجاءت تحولات العقود الأربعة الماضية، ثم ما آلت إليه ثورات الربيع العربي الشعبية، والدور الكبير الذي لعبته القوى الإقليمية والدولية في تقرير مصيرها وإجهاضها لتزيد من اهتمامي بتعميق هذا التحليل وتوسيع دائرته. وهذا ما يظهره كتابي الجديد "سؤال المصير".
كأن معادلتك الجديدة (الجيوسياسة والسياسة) دعوة إلى تحديد بوصلة التحرر: نقد الاستعمار وتدخل الدول الكبرى في مصير الشعوب العربية والتحرر من ذلك، وضد الأنظمة الاستبدادية، فهل توافق على هذا؟
نقد الاستعمار احتل المكانة الأولى في حقبة الصراع ضد الاحتلالات الأجنبية. وكان الصراع من أجل الاستقلال هو ذاته الوجه العملي لهذا النقد. وقد عمل عليه جميع زعماء ومفكري الكفاح الاستقلالي في النصف الأول من القرن الماضي، ومن أبرز رموزه فرانز فانون في كتابه الشهير "معذبو الأرض". إنما ما اردت تركيز النقد عليه في كتابي الجديد هو حقبة ما بعد الاستعمار وما سميناها أو أطلق عليها الباحثون حقبة الاستقلال ذاتها. وذلك بالكشف عن الأسباب التي أدت إلى إخفاق الاستقلال وانهيار أسطورته وتحول الدول المستقلة في معظم بلدان العالم الثالث وليس البلاد العربية وحدها إلى مزارع خاصة بفئات اجتماعية أقلية فرضت نفسها بقوة الديكتاتورية القمعية على شعوبها وحرمتها من التحرر السياسي والاجتماعي والفكري، أي صادرت الاستقلال لمصلحتها. ولم يكن ذلك ممكناً إلا بالتواطؤ مع المستعمر القديم الذي بقي يحتفظ بمواقع أساسية في المستعمرات السابقة ويخضعها لإرادته ولو بوسائل مختلفة ومنها تدجين النخب الحاكمة واحتواؤها وتعهيرها الفكري والنفسي.

أين تضع الدين والقوى الإسلامية في قراءتك؟ ففي الوقت الذي تنتقد فيه ما وصل إليه الإسلام تحيّده عن المسؤولية في التخلف، كما جرت عادة تيار من المفكّرين العرب بعد هزيمة 1967؟
فقد الدين منذ قيام الدولة الحديثة التي سميت وطنية أو قومية والتي هي جزء من النظام العالمي الحديث أيضاً مركزيته، تماماً كما فقدت سلطة رجال الدين، على تنوع اشكالها، استقلالها كفاعل تاريخي مؤثر في القرارات التي تسير الدول والحكومات. وأصبح كلاهما الدين العقيدة والسلطة الدينية معاً خاضعين لللاعبين أو القوى الجديدة الصاعدة التي ولدت من الاستقلال، سواء أكانت القوى القومية التي تبنت إيديولوجيات القومية الكلاسيكية أو القوى الراديكالية اليسارية التي حلمت بتحديث مجتمعاتها ودولها على الطريقة السوفياتية السابقة، أي بمزيد من الديكتاتورية والتحكم بالقرارات السياسية. لذلك، ضعفت الحركات الإسلامية السياسية بل كادت تختفي خلال تلك الحقبة التي سميت بالتقدمية بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي. ولم تظهر إلا بعد بروز الإخفاق الشامل لبرنامج هذه القوى التحديثية القومية والاشتراكية الراديكالية. وأخذت تحتل منذ ذلك الوقت وبموازة تجلي الفشل وانحطاط النخب الحاكمة وفسادها، مكاناً متزايداً في المجال السياسي لتملأ الفراغ الفكري والاجتماعي الذي تركه هذا الإخفاق. ومع استمرار التدهور في الأوضاع وانعدام التغيير والإصلاح، توسعت القاعدة الاجتماعية لهذه الحركات وشعر قادتها بقوة استثنائية تدفعهم إلى الوقوف بصراحة في مواجهة القوى "التقدمية" المجهضة التي احتكرت الحكم وغرقت في الفساد المالي والسياسي.
وكان من الطبيعي أن تطمح هذه الحركة المتنامية القوة إلى أن تقدم نفسها بديلا للنظم الاستبدادية القائمة، وتبلور برنامجاً بديلاً للحكم وللمجتمع ولبناء الهوية معاً يملأ الفراغ الشامل الذي تركه إجهاض المشاريع التنموية القومية والاشتراكية. وكان من الطبيعي أن تتسم إيديولوجيات هذه الحركة وبرنامجها بسيطرة القيم والمشاغل المحافظة وأن تراهن في تصليب موقفها وتجذير هيمنتها على القطع مع قيم النخب القائمة الحداثوية والتأكيد على إحياء قيم الماضي التاريخية الدينية والمدنية. ولأن القوى الدولية والإقليمية، بما فيها روسيا والغرب، رفضت فكرة التغيير من أي نوع كان في المنطقة ودعمت استمرار الأوضاع كما هي وتمديدها حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية، دخلنا في حقبة استعصاء سياسي وبالضرورة فساد متفاقم. هكذا، وجدت المجتمعات ذاتها في معادلة حرب مواقع بين أقلية متسلطة تدافع عن مواقعها واحتكارها السلطة وتمديدها باسم الحفاظ على قيم الحداثة والتقدم وبدعم حلفائها الخارجيين، وأكثرية اجتماعية مهمشة ومضطهدة انتزعت منها حقوقها ووطنيتها، مدركة لقوتها وتأييد الجمهور الواسع لها ومحرومة من أي حق أو فرصة لتحقيق أهدافها.
ومن هذا الاستعصاء الذي حرصت عليه الدول الكبرى والإقليمية ولدت روح التمرد والعصيان والثورة، وتفجرت الانتفاضات الشعبية وتحولت، بعد قرار الأنظمة الحاكمة بالتصدي الدموي لها، إلى ما يشبه الحروب الأهلية. وليس لدي أدنى شك أننا إن لم ننجح في إيجاد وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي في السنوات القريبة معاً ستكون الحقبة المقبلة أكثر دموية لأن العوامل التي فجرت الثورة، أعني تهميش الأكثرية الاجتماعية وإظهار الاحتقار الدائم لها ولحقوقها، وقطع أي طريق أمامها للحلم والأمل والإصلاح، ستتفاقم ويرتفع معها منسوب الضغط إلى حد الانفجار على الجمهور الشعبي.
هل قسمت الأحداث المثقفين العرب بين من استمر في مواجهة الدين وحيّد الأنظمة الاستبدادية، وبين من يحدد بوصلته ضد الأنظمة والاستبداد والتخلف؟
طبعاً، لحسن الحظ لم يقف جميع المثقفين في صف الأنظمة المتفسخة والجائرة. لكن على العموم ما ميز موقف المثقفين حتى أؤلئك الذين أعلنوا انتماءهم للثورة وتأييدهم لها هو عدم ثقتهم بالشعب والتشكيك بأهدافه وولاءاته والقيم التي تحركه. ولأن أغلبية المثقفين اختارت أن تحاكمه على نياته وشككت في صلاح تطلعاته إلى الحرية والعدالة، الحقته بسذاجة بالقوى الإسلامية ونظرت إليه كمصدر للقيم الرجعية الدينية وغير الدينية، وأخفقت في مد العون إليه والمشاركة الجدية في حركة التغيير. هكذا، بمقدار ما شككت في حقيقة الثورة وجوهرها وأهدافها، تركت جمهورها من دون قيادة وتوجيه، نهباً لأصحاب النيات السيئة من القوى الداخلية والخارجية.
تنتقد المثقفين والمفكرين العرب المتعالين على الشعوب والذين يعتبرون الأنظمة متقدمة عليها، كيف تصف حال المثقفين والمفكرين العرب؟
ما حصل هو أن النخب المثقفة العربية اليسارية والليبرالية التي تبنت برنامج التحرر الوطني، وأكثرها بإخلاص، رفضت الاعتراف بعدم صلاحية افتراضاتها وتحليلاتها ومن ثم القيام بالنقد الذاتي الذي كان المدخل لها لتغيير سياساتها وتعديل برنامجها وأسلوب عملها ومخططاتها. وبدل أن تتحمل مسؤولياتها وتستعيد ثقة الجمهور بها اختارت أن ترمي مسؤولية الفشل في تحقيق برامجها على الجمهور البسيط، واعتبرت أن جهل هذا الجمهور هو سبب الهزائم والاخفاقات حتى أمام الاستبداد ووجهت كل جهودها لمعركة الفكر والتنوير التي تحولت إلى حركة إدانة وتجريم للجمهور الشعبي البسيط وطبيعة التدين أو التفكير الذي يسيطر عليه، كما لو كان هو صاحب القرار. وأصبحت في ذلك شريكة لنظام الطغاة في تبرير وشرعنة حكم الاستبداد والقهر، على اعتبار أن ترك الحرية للجمهور وما بالك بممارسة الديمقراطية لا يمكن أن يعني إلا التسليم للقوى الظلامية والإطاحة بالمكاسب التقدمية أو الحداثية. وهكذا حصل التواطؤ العملي بين التيار الغالب للمثقفين والنظم القائمة وعزز حالة الاستعصاء وانعدام التغيير ومعها تمديد زمن حرب المواقع بين أقلية أو أقليات متماهية مع فكرة الحداثة ومتمردة عملياً على الشعب، ومصرة على التمترس في الدولة ومؤسساتها، وشعب أصبحت الدولة التي حلم بها لتحريره من الجهل والمرض والفقر والعبودية الأداة الرئيسية لقهره وتحقيره واستعباده وإخماد أنفاسه ووضعه في الأسر.

ما مسؤولية العرب والمسلمين في ما وصلوا إليه؟
أولاً أردت بهذا التذكير بالتجارب العربية أن أُبرز دور الغرب خلال الحقبة الاستعمارية وبعدها في هيكلة الجيوسياسة العربية التي أصبح العديد من المثقفين العرب والغربيين ينكرون مسؤولية الغرب عنها ويحيلونها إلى عطب التراث الديني أو المدني، ويستنتجون من ذلك أن "العرب" أو المسلمين يمثلون استثناء بين الشعوب في عدم قدرتهم على استيعاب التحولات التاريخية والاستجابة الناجعة لها أو رفضهم لها. وثانياً لا اعتقد أن هناك قيمة للحديث بالعموم عن العرب والمسلمين في خيارات تتعلق بالصراعات السياسية والجيوسياسية، ومن باب أولى عن أثر الثقافة والتراث في ذلك، وإنما ينبغي البحث في الخطط السياسية والاقتصادية والإيديولوجيات التي قادت المجتمعات العربية، وهي جميعاً من صنع نخب وثمرة منهج تفكيرها وطريقة تصورها لمصالحها ونوعية تحالفاتها. وهي نخب تأثرت بالغرب وتعلمت على يديه وقطعت إلى حد كبير مع التراث ومع الجمهور الشعبي. والمطلوب نقد هذه الخطط والبرامج التي وجهت النخب العربية لاعتبار ما حصل النتيجة الطبيعية بل الحتمية لإيمان العرب الديني أو جهل جمهورهم بالعلوم والتقنيات. فالتحليل السياسي ينبغي أن يتركز على صاحب السلطة والمسؤولية لا على من يخضع لسلطانها مهما كانت اعتقاداته ونياته ودرجة علمه أو جهله. العالم هو المسؤول عن تطوير المعرفة وليس الجاهل. وإذا كانت معرفته ناقصة فبسبب قصوره لا في تحصيل العلم وليس بسبب اعتقاد جمهور الشعب بالخرافات. هكذا بدل أن يراجعوا سياساتهم رموا كرة النار، أعني مسؤولية المراجعة والنقد، على الجمهور البسيط الذي لا قدرة له على ذلك وليس له لا ناقة ولا جمل فيه.
هل تعتبر أن نهضة العرب مشروطة بمشروع نهضوي قومي أم بمشاريع وطنية في ظل الدول الوطنية التي باتت أمراً واقعاً؟
في نظري كل السياسات التي طورتها النخب السياسية العربية بعد الاستقلال كانت تطمح إلى استدراك التأخر واللحاق بركب التقدم والحداثة بما فيها الناصرية واليسارية والليبرالية. هي على العموم لم تخطئ في توجهها التحديثي هذا. إنما أخطأت في عدم البحث في شروط ضمان نجاحها الجيوسياسية والسياسية والعسكرية، ورفضت التساؤل حول صلاح اختياراتها. المهم أن نتوقف عن "البحبشة" كالدجاج في العقليات والذهنيات والأديان والعقائد وقيم الجهل والتنوير في البحث عن أسباب فشلنا والعثور على مفاتيح النجاح ونعيد التركيز، بالعكس، على مناقشة الخطط الاستراتيجية والسياسات والبرامج التي تطبقها النخب الحاكمة والمسيطرة التي تتحكم وحدها بالموارد واستخدامها وتوزيعها والتعامل مع الجمهور وتعبئة طاقاته أو تعطيلها.
وفي هذا المجال، وجواباً عن سؤالك أقول إن ما يحدد إذا ما كان من المفيد لإحداث النهضة أن نطور مشاريع قومية أو إقليمية أو نركز على المشاريع الوطنية ينبغي ألا تكون الإيديولوجية أي الإيمان المسبق بهذه العقيدة أو تلك، وإنما الفوائد التي يمكن أن نجنيها من هذا الإطار أو ذاك، القومي أو الوطني أو الإقليمي، لتحقيق الأهداف التنموية، وخدمة المصالح العامة أي لعموم الشعب. بوصلتنا ينبغي أن تكون ضمان هذه المصالح أي: الحياة الكريمة وفرص العمل والحقوق الإنسانية وفي مقدمها العدالة والمساواة القانونية والأخلاقية والحريات الأساسية التي أصبحت ذات قيمة كونية ويحلم بها كل فرد في العالم. إذا كانت التنمية الاجتماعية تفترض توسيع دائرة الاستثمار وإقامة اتحادات أو سوق مشتركة أو تعاون بين عرب وعرب أو عرب وغير عرب فينبغي عدم التردد فيها. وليس هناك أي تناقض بين أن تنمي النخب الحاكمة الانتماء للوطن أو القطر وأن توسع دائرة تعاونها الإقليمي مع دول الجوار خصوصاً القريبة منها ثقافة ومصالح استراتيجية. فالوطنية تقوم على تعميم الحقوق المدنية والسياسية المتساوية، التي تعمق الشعور بالانتماء والوفاء والمسؤولية تجاه الوطن والدولة، والتنمية تزيد من قدرات الدولة الوطنية على تعميم هذه الحقوق الأساسية للحفاظ على استقرار أي اجتماع سياسي قائم اليوم.
تقول إن التبعية و"التخلف" والاستبداد ليست قدراً، كيف ترى مستقبل المنطقة في ظل المتغيرات العالمية؟
التبعية والتخلف هما ثمرة سياسات مختارة من قبل النخب الحاكمة وتعبير عن تمسكها بمصالحها الخاصة وتحالفاتها الدولية للبقاء في الحكم بصرف النظر عن فشلها واخفاقاتها. وهذا هو سبب الحفاظ على نظم القهر والاستبداد الراهنة في بلداننا. وإذا لم تتغير طرق الحكم البدائية المسيطرة على مجتمعاتنا لا يمكن تغيير المعادلة القائمة وسيتفاقم الاستعصاء السياسي وفي موازاته الفساد وهدر الموارد البشرية والمادية والقطيعة بين النخب الاجتماعية المسيطرة والشعب والتدهور المستمر في شروط الحياة المادية والمعنوية وفي أثر ذلك الحروب والاقتتالات الدموية الداخلية. ولن تتغير هذه المعادلة إلا بمحاربة التهميش المتعمد والمنظم للشعب وادخال جمهور العرب الواسع في دائرة الحياة الحقة، الكريمة، والقرار.

إلى أين تتجه الشعوب العربية؟
إلى ثورات مقبلة أكثر دموية بالتأكيد.
تقول إنه لا يمكن للحداثة إلا أن تهزم التقليد والتراث (وتعطي الانتفاضة الإيرانية نموذجاً)، هل تقرأ المعركة بين التقليد والتراث من جهة والحداثة من جهة أخرى في مجتمعاتنا؟
نعم لا أحد يعيش خارج عصره إلا القبائل المعزولة في غابات بعيدة عن أي اتصال. وهذه لم تعد موجودة في أي مكان. التواصل مع قيم العالم الراهن هو الذي يعطي حياة الأفراد اليوم معناها. ولا يعود التراث ليحتل الساحة إلا على سبيل رد الفعل على حداثة مجوفة، سالبة ومستلبة وقاتلة للمعنى ولقيمة الإنسان وكرامته. وهذا ما نشهده في مجتمعاتنا المحاصرة والمحرومة من الاندراج في مدنية عصرها. ولم يعارض أي شعب الحداثة في أي شكل من أشكالها وإنما النخب هي التي عطلت مسارها باحتكارها قيمها وتوظيف الشعب عبيداً لها لتحقيق اندماجها وانتمائها إلى عالم الحداثة المركزي. وهذا ما يفسر استمرار الشرخ القائم بين المراكز المتقدمة والجنوب المفقر والمتعثر والبائس.
تتهم الحداثة بأنها خانت وعودها وأنعشت الأيديولوجيا الدينية وحرضت الجمهور على خطابها، كيف يمكن إعادة الاعتبار لقيم الحداثة؟
تحقيق العدالة التي لم تعد تعني في ثقافة عصرنا أقل من المساواة في الحقوق والواجبات والاعتبار.
تشير في كتابيك الأخيرين إلى تعارض العلمانيين والإسلاميين... ما السبيل إلى الخروج من ذلك؟
هذا التعارض ليس أمراً حتمياً قائماً خارج التاريخ والمجتمع. إنه الشكل الإيديولوجي للصراع الاجتماعي الذي ذكرته للتو بين نخبة متمردة على المجتمع تسعى إلى شرعنة تهميشها له وقهره باسم قيم الحداثة ومجتمع أصبح يختزن كل مشاعر التمرد عليها ويريد أن يجردها من سلاحها الإيديولوجي الذي تتماهى به مع القوى الأجنبية المسيطرة ويجعلها تحظى بدعم هذه القوى في مواجهة شعوبها. في حالة الوصول إلى تسوية تضمن السلم الأهلي ليس هناك أسهل من أن تتعايش العلمانية بوصفها سياسة الدولة وأساس مساواتها بين جميع مواطنيها مع الاعتقاد الحر، الديني وغير الديني، لكل فرد بما يشاء، بما في ذلك الخرافات. وهذا هو جوهرها. المهم أن تكون النخب الحاكمة عقلانية ومسؤولة أمام الشعب ولا تخضع خياراتها السياسية لهذه الخرافات. والحال أن العلمانية غالباً ما استخدمت في خطاب النخب العربية لتجريد الجمهور الواسع من أهليته السياسية ولشرعنة إقصائه من الحياة السياسية وقهره والتنكيل به لحماية احتكار القرار. ولا يمكن للعلمانية الموظفة في مثل هذا الدور إلا أن تكون هدفاً للتجريح والرفض والتشويه من قبل المحرومين من الاعتبار والأهلية.
هل لا يزال التقدّم ممكناً؟
بالتأكيد وبأسهل مما نعتقد، لكن مع الشروط التي ذكرتها في الكتاب.
كيف تقرأ "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" اليوم؟
أصدرت في ذلك كتابين: "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" (1978) و"نظام الطائفية، من الدولة الى القبيلة"، ورصدت فيهما كيف أدى اغتيال الدولة الحديثة وتفريغها من مضمونها من قبل النخب الاستبدادية إلى عودة الانتماءات العصبوية الطائفية والعشائرية، أي روح التضامن الأخوي، الديني أو الدموي، تعويضاً عن منع وقتل حقوق روح التضامن السياسي داخل إطار الدولة، أعني المواطنة المرتبطة بمنظومة الحقوق والواجبات والمولدة لانتماء أعلى وأسمى جديد. فالانتماءات الأهلية الطائفية والقبلية موجودة في الوعي والشعور الموروث، ويمكن بسهولة عند الحاجة تفعيلها لضمان الحد الأدنى من التضامن والتكافل والحماية للفرد، بينما المواطنة تحتاج إلى بناء وبناؤها مرتبط بمساواة الأفراد في الحقوق والواجبات وتوحيدهم تحت سلطة القانون السياسي الذي لا يكون قانوناً وطنياً ومولداً للطاعة إلا إذا كان من صنع الأفراد المواطنين وبإرادتهم، من طريق ممثليهم المنتخبين. والحال حتى يومنا هذا ما زال مثقفون كثر يعتقدون أنهم الأوصياء على الشعب "الجاهل" وأن صنع الدستور من اختصاصهم، وما على الشعب "المتخلف" إلا الانصياع والإذعان.
ترى أن الإبقاء على الصراع العربي- الإسرائيلي هدف قائم بذاته، وتعتبر أنه من القصور الاكتفاء بالنظر إلى إسرائيل باعتبارها شعباً يهودياً مضطهداً أو تكفيراً عن المحرقة أو الطفل المدلل للغرب، فهي حاجة استعمارية وأعظم استثمار للغرب وسلاحه الأقصى، كيف ترى مستقبل هذه المسألة الشائكة؟
هي العصا التي يهش بها الراعي الغربي على غنمه ليسيروا بحسب إرادته وأحياناً هي سكين لذبحهم إذا ما عصوا. والحل بسيط: هو أن لا يكونوا بعد الآن غنماً.
لم تخسر المعارضة ولم ينتصر النظام
ترأس برهان غليون المجلس الوطني السوري المعارض (2011)، وعلى رغم تأليفه كتاباً يعرض للتجربة، حمل عنوان "عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل"، إلا أنه يصر على أن تقييم التجربة "هو عمل الصحافيين والمثقفين والجمهور". ويؤكد أن "التجربة لا تنتهي ولا تتوقف طالما كانت لدينا قضية ولدينا الشعور بالمسؤولية تجاه من ننتمي إليهم وينتمون إلينا".
ويرى غليون أن "مستقبل سوريا رهن بتحرر أبنائها وتفتح مواهبهم وأخذهم مسؤولياتهم بأيديهم. وهم اليوم في كل المواقع التي تحرروا فيها من وطأة الذل والطغيان والانتقام مواهب متفتحة وقوى فاعلة وأفراد مبدعون في كل الميادين والمجالات".
ورداً على سؤال عمّا إذا كانت المعارضة السورية خسرت عسكرياً والنظام انتصر سياسياً، يقول: "لم تخسر المعارضة ولم ينتصر النظام. أصبح الشعب كله معارضة في ظروف المحنة التي أنزلها به النظام. أما النظام فقد خسر كل ما يجعله نظاماً بالفعل ولا يستمر إلا لأن استمراره جزء من مخطط القوى الإقليمية والدولية التي تستخدمه لحمل الأثقال".
وبعدما أشار في "عطب الذات" إلى أن تشتت المعارضة وقصورها الديمقراطي والسياسي سببان لافتراس التدخل الدولي للثورة، يقول: "دعك من المعارضة والنظام، ما هما إلا بعض الطفح الماضي الذي سيزول قريباً. المهم والأساس هو الشعب السوري الذي قطع مع الذل وأظهر أنه شعب عظيم مستعد للتضحية والفداء ولن يتوقف عن كفاحه حتى يحقق الحرية والكرامة والاستقلال لجميع أبنائه".
نسأله: هل من خريطة طريق نحو سورية ديمقراطية؟ فيجيب: "بناء القوى السياسية الحرة والفاعلة هو الطريق. وسوريا ستكون ديمقراطية أو لا تكون".
وعما إذا كانت لديه مخاوف على وحدة سوريا، يرد: "سوريا لن تغير مكانها وجغرافيتها. والسوريون من أي فئة أو جنس أو ديانة كانوا باقون في سوريا وهي باقية معهم. عاجلاً أم آجلا ستستعيد سوريا وحدتها مع استعادة السوريين وعيهم وقرارهم وثقتهم بأنفسهم. وهذا هو مخرجهم، وبالتالي اختيارهم العقلاني الوحيد. تعلم السوريون من تجربتهم في اللجوء والهجرة والمعاملة القاسية التي تعرضوا لها في أكثر من مكان أن لا ملجأ لهم سوى استعادة وطنهم وإعادة بنائه بحسب ارادتهم. ولن يتأخر الوقت حتى يكتشفوا طريقهم وينظموا أنفسهم ويظهروا تصميمهم وإصرارهم على العودة إلى ديارهم لتحريرها وإعمارها بأنفسهم. أنا على ثقة كاملة في ذلك.