جو حمورة

لا تقدّم في "أستانة"... تطبيع العلاقات التركية - السورية مؤجل

4 دقائق للقراءة
خلال دورية للقوات الأميركية في حقول نفط القحطانية في شمال شرق سوريا الأسبوع الماضي (أ ف ب)

تضمّن اجتماع «مسار أستانة» الأخير إشارات خجولة حول تطبيع مرتقب للعلاقات التركية - السورية. تطبيع طال انتظاره، لكنه لا يزال بعيد المنال، حتى وإن رغبت سوريا بتحقيق خرق ديبلوماسي جديد بعد العودة إلى الجامعة العربية.

لا يزال المسعى الروسي قائماً في تحقيق تقارب حقيقي بين النظام السوري وتركيا. مسعى حملته موسكو إلى العاصمة الكازاخستانية أستانة، حيث التقى طوال يومي 20 و21 حزيران الحالي ممثلون عن روسيا، إيران، تركيا وسوريا، بمشاركة وفود مراقِبة من الأمم المتحدة، الأردن، العراق ولبنان.

تضمّن اليوم الأول لقاءات بين وفود معارِضة وأخرى تابعة للنظام السوري، دون أن تنجح، كالعادة، بتحقيق أي خرق سياسي جدي أو مهم، فيما كان اليوم الثاني هو الأهم، وعلى جدول أعماله «تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق الذي نعوّل عليه»، على حد قول نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف.

يأتي هذا الاجتماع استكمالاً للاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه خلال لقاء العاشر من أيار الماضي في موسكو بين وزراء خارجية روسيا وسوريا وتركيا وإيران، والذي نص على إعداد خريطة طريق عملية لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق. إلّا أن المواقف المرتفعة السقف خلال الانتخابات التركية أخّرت من عملية التقارب، خصوصاً مع ما شهدته من «عراضات» خطابية لرجب طيب أردوغان كادت أن تنسف مسار التسوية حتى قبل أن يبدأ.

في الأستانة، كرّر معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان موقف بلاده الرافض لأي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار «احترام السيادة السورية»، مشدّداً على ضرورة الانسحاب التركي من شمال البلاد كـ»مدخل لأي علاقات بين البلدين». لم تكتفِ دمشق بالخطابات الكلامية، بل حشدت قبل يومين من لقاء أستانة تعزيزات ضخمة لقواتها العسكرية في مناطق ريف حلب الشمالي الواقعة ضمن مدار النفوذ التركي.

في المقابل، غاب رد الجانب التركي المباشر، واكتفى إعلامه في تكرار موقف أنقرة الرسمي من تطبيع العلاقات بشروطه الثابتة، وهي تأمين «حماية للأمن القومي التركي»، كما «محاربة الإرهاب» و»إحياء العملية السياسية»، و»تأمين دخول آمن للاجئين السوريين إلى مناطق سيطرة النظام».

يأتي التشدّد السوري وسقفه العالي في أستانة كنتيجة مباشرة للانفتاح العربي على النظام، والذي أُعيد إلى الجامعة العربية مع ما يترافق ذلك من تطبيع مرتقب وأكثر عمقاً للعلاقات السورية - العربية. أما أنقرة، فتبحث عن حل للقوى الكردية المسلحة مقابل حدودها الجنوبية، وترى أنه من واجب النظام السوري القيام بعمل عسكري يكبح جماحها وحضورها على الحدود بين البلدين، وبالتالي حماية أمنها القومي.

تُريد أنقرة من دمشق، كذلك، قبولاً علنياً وحقيقياً يُساهم في عودة اللاجئين السوريين في تركيا بشكل آمن، وبشكل يخفف من وطأة الحضور السوري في تركيا، وهو الملف الأكثر سخونة هناك، والذي ساهم بضمور كبير في شعبية أردوغان وحزبه خلال الانتخابات الرئاسية والنيابية الأخيرة.

على الرغم من أمل موسكو ومسعاها لتحقيق نتيجة ملموسة تُفضي إلى تقدم مسار التسوية بين أنقرة ودمشق، إلّا أن لا نتائج إيجابية حقيقية خرجت من لقاء أستانة، فيما يبدو أن الأمر بحاجة إلى لقاء رفيع المستوى جديد في موسكو، يقر حدود وشروط التسوية الآتية لا محالة بين البلدين، خاصة وأن الدفع الروسي في اتجاهها واضح، وهي تسوية لا يزال الوصول إليها يُشكل أولوية في سياسة موسكو الخارجية، بما لها من مكانة وقدرة على إجبار سوريا كما إغراء تركيا بها.

بعد تحقيق المسار الأول من «حلّ الأزمة السورية» بتطبيع العلاقات بين سوريا وجامعة الدول العربية، تسعى موسكو إلى حلّ المسار الثاني بتسوية بين أنقرة ودمشق تُفضي إلى انسحاب أو إعادة تموضع للقوات العسكرية التركية شمال سوريا، وذلك تحضيراً للمسار الثالث الأساسي، وربّما النهائي، حول وجود القواعد العسكرية الأميركية على الأرض السورية ودور واشنطن هناك.