لا نهاية للأيام الفرنسية في بيروت. وليس ما فعله الموفد الرئاسي جان إيف لودريان سوى فصل استعراضي في سيناريو فرنسي متعثّر على المسرح اللبناني. إلقاء حجر في مياه رئاسية راكدة يحرّك دوائر على سطحها تبدأ كبيرة ثم تصغر ثم تختفي. وشيء ممّا ينطبق عليه قول أينشتاين الشهير عن تكرار التجارب على المواد نفسها وتوقّع نتيجة مختلفة. ولا جدوى من التساؤل إن كان الرئيس إيمانويل ماكرون أوفد المخضرم لودريان لتغيير المقاربة أو لتغيير الموقف الذي اتّخذه قصر الإليزيه واصطدم بالتضاريس السياسية في لبنان. فالنتيجة في الحالين هي استمرار الفراغ. تغيير المقاربة لن يجعل الإنحياز الفرنسي الى خيار «الثنائي الشيعي» مقبولاً من القوى السيادية والمعارضة والتغييرية الرافضة له. وتغيير الموقف يصطدم بإصرار «الثنائي الشيعي» على خياره الذي كان يعلم منذ البدء أنه مرفوض. وما كان الإصرار على تحدّي القوى المسيحية الأساسية ومعها القوة الدرزية الكبيرة والقوى التغييرية وجزء من القوى السنية المبعثرة سوى رهان على الفراغ.
ذلك أن التناقض في الصور يبدو واضحاً في ثلاثة مشاهد معبّرة. أولها مشهد الزائر الفرنسي، وأي زائر خارجي، القادر على الإتصال والحوار مع طرفي الأزمة الرئاسية ضمن الأزمة الوطنية والسياسية الأكبر واللذين لا حوار بينهما. لماذا؟ لأن «الثنائي الشيعي» يريد حواراً للموافقة على خياره يسمّيه حواراً بلا شروط، ويراهن على تعب الآخرين من الفراغ للتسليم به مع الإيحاء بأنه مستعد للفراغ مهما طال.
وثانيها مشهد المصالحات الدائرة في المنطقة بين إيران والسعودية، سوريا والسعودية، مصر وتركيا، السعودية وتركيا، الإمارات العربية وتركيا، الإمارات وقطر، سوريا وتركيا، إيران والبحرين، الى جانب «إتفاقات أبراهام» بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والسودان والغرب، في حين أن الإنقسام العمودي يتعمّق في لبنان، والصراع بين الكبار يتحوّل الى حرب أوكرانيا، ومخاطر صدام عسكري حول تايوان وفي منطقة المحيطين الهادئ والهندي.
وثالثها مشهد التعبير عن القلق حيال اكتمال الإنهيار في لبنان وحتى «زواله» في الفاتيكان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وأميركا وروسيا والصين وبالطبع لدى «مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان» والأمم المتحدة والجامعة العربية، في حين تتصرّف التركيبة السياسية كأن لديها كل الوقت لممارسة الألعاب السياسية، وتمارس المافيا السياسية والمالية والميليشيوية الحاكمة المزيد من الضغوط على اللبنانيين المحكومين بالبقاء في «جهنم» الذي دفعتهم إليه.
ولا شيء بالصدفة. فما ندفعه ليس فقط ثمن أخطاء ارتكبتها القيادات قبل الحرب وخلالها وبعدها بل أيضاً ثمن مخططات لأشقاء وخصوم وأعداء لم تفتقد الى لاعبين في الداخل. وما يدفع «الثنائي الشيعي» الى الهيمنة على رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة ليس العنوان المعلن، وهو الحاجة الى رئيس «لا يطعن المقاومة في ظهرها» بمقدار ما هو تكريس الهيمنة المذهبية الجديدة المرتبطة بولاية الفقيه على لبنان. وإذا كانت «المقاومة الإسلامية» في حاجة الى حماية، مع أنها تبرّر وجودها بحماية لبنان، فإن السؤال هو: ماذا عن تطمين المقاومة، بصرف النظر عمّا يحدث للبنان؟
كان ماركس يذكّر هواة صنع التاريخ بالقول: «الأفراد يصنعون التاريخ ولكن ليس بالطريقة التي يختارونها».