حسان الزين

خالد فهمي يؤرّخ لمصر الحديثة "من الأسفل" لا من الحكّام

9 دقائق للقراءة
تُشكّل مؤلفات فهمي محطّات في حقل تأريخ مصر الحديثة
تشهد القاهرة منذ سنوات حركة إعادة كتابة تاريخ مصر الحديث. فبعد صوغ سردية وطنية رسمية، بأقلام عدّة أبرزها عبد الرحمن الرافعي، ثمة نشاط جديد متحرّر من ذلك. وفي حين يستند النشاط هذا إلى الوثائق، يستخدم منهجيات بحثيّة معاصرة تحاكي أعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ومؤلف كتاب "استعمار مصر" الباحث الأميركي تيموثي ميتشل وآخرين. وإذ يجعل النشاط هذا حركةَ بناء الدولة منذ محمد علي باشا موضوعه، لا يمجّد حكّامها وقادتها، ولا يتمحور حولهم، بل تراه يهتم بالناس العاديين وانعكاس الإجراءات التحديثية على حيواتهم ويوميّاتهم وصحّتهم وأجسادهم ووعيهم. و"يرفض" إدانة الفلاحين الذين قاوموا تلك الإجراءات المستجدّة والغريبة والقهرية.



تتنوّع قراءات تاريخ مصر الحديث وتختلف. وهذا دليل عافية بحثية ووطنية ديمقراطية. ففي الوقت الذي ينشر فيه محمد فتحي نجيب، مثلاً، كتاباً عن "التنظيم القضائي المصري" (دار الشروق)، مكتفياً بتقديم بحث "وصفي" وبإبراز "العناصر الجوهرية" و"الدعائم الأساسية لحركته"، نُشر كتاب "السعي للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة" لخالد فهمي، عن الدار نفسها. والثاني هو الحدث. مؤلّفات فهمي ومقالاته باتت محطّات مهمّة في حقل تأريخ مصر الحديثة. وإذا ألّف حتّى الساعة كتباً عن النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإنه يكتب ويطل عبر وسائل التواصل الاجتماعي متناولاً التاريخ المعاصر، ولا سيما تجربة الضباط الأحرار والرئيس جمال عبد الناصر والصراع العربي الإسرائيلي.

مصر "من الأسفل"

الكتاب الأول لفهمي الذي أحدث ضجّة هو "كل رجالات الباشا: محمد علي وجيشه ومصر الحديثة". وهو تطوير لأطروحة الدكتوراه التي أعدها فهمي في جامعة أوكسفورد بعدما درس الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة. وقد وضعه بالإنكليزية وترجمه المؤرّخ شريف يونس إلى العربية في العام 2000. ومع هذا الكتاب بات فهمي "صاحب رؤية جديدة في دراسة التاريخ المصري الحديث"، بحسب "دار الشروق" وفي إعلام القاهرة وأوساطها الثقافية. وقد عمل في جامعات برنستون ونيويورك وكولومبيا وهارفرد، والآن في كامبردج، إضافة إلى عمله في الجامعة الأميركية في القاهرة حيث يتحلّق حوله باحثون شباب جدد.

وفي هذا الكتاب التأسيسي، يقدّم فهمي تاريخ مصر "من الأسفل"، من "الأهالي"، لا من الحكام والقادة. وفي هذا أسلوبٌ جديدٌ في الكتابة عن تاريخ مصر. ففهمي يضع محمد علي ودولته وجيشه أمام معيار علمي، لا يرى منه حاكماً أسطورةً ولا ديكتاتوراً، بقدر ما يتحرّى الإطار التاريخي الذي جعل منه ظاهرة شديدة الأهمية في تاريخ مصر الحديث. وهكذا يُعيد موضعته في داخله.

ينطلق فهمي من العلاقة المعقّدة بين والي المحروسة محمد علي والسلطان العثماني والباشوات واللورد البريطاني. ويحاول تفسير التوسّع العسكري لمحمد علي نحو سوريا، التي دفع إليها جيشاً بقيادة ابنه إبراهيم (1831 - 1840). ويرصد من خلال رسائل الإبن لأبيه ومستندات عديدة موقع سوريا في استراتيجية والي مصر، وذلك تحت عنوان "حجر الزاوية في إمبراطورية الباشا". وفي عرض للأحداث التي عاشها الجيش المصري في سوريا، يرسم مشهد الغزو وعلاقة القائد إبراهيم بضباطه وجنوده، والحياة اليومية في المعسكرات: لا صلوات ولا أجراس، صدمة القذائف والحنين إلى الوطن، النظرة الطبية والزهري والجرب، الحياة خلف الخطوط، ومن يحرس الحراس؟



كل رجال الباشا



ويتناول الكتاب مولد الجيش المصري: أصول فكرة الجيش النظامي، ضبط الألبان (الذين قادهم محمد علي حين وصولهم إلى القاهرة)، استبعاد السودانيين، تجنيد المصريين وطرقه، ومقاومته، رد فعل السلطات، و"دفترة" الواقع. ويروي كيف بات الفلاحون جنوداً: الاعتقال، المراقبة، العقوبة البدنية، الدور التمثيلي للقانون، قانون الفلاحة، القوانين العسكرية، السلطة الانضباطية، الترقيم والعنونة، الحضور والغياب، التفتيش والتدريب. وبعد فصل عن جيش محمد علي والأمة المصرية، يتوقف عند تحديث مصر.

ولعل الميزة الرئيسة لفهمي المؤرّخ غير التقليدي أنه يقدم إضافة علمية وفلسفية إلى دراسة مفهوم السلطة وتشكّلها. فهو، بتأثير من فوكو (وميتشل)، لا يغوص في وثائق الجيش المصري (دار الوثائق القومية) لسرد الوقائع فحسب، بل يحللها متحرّياً تشكّل السلطة وتطوّرها ومفهومها عبر التاريخ. ويجعل من دولة محمد علي نموذجاً ينفذ من خلاله إلى حركة الشعب المصري وثقافته.

وقد لفت فهمي من خلال جهده هذا المؤرخين والقراء إلى وثائق شديدة الخصوصية، وحوَّل كثيراً من الموروثات لتصبح مصادر لصناعة التاريخ. فدخل أرشيفات اعتُبرت قبل هذا الكتاب في عداد المجهولة أو المنسية، إلى أن جاء لينفض عنها غباراً تراكَم عبر السنوات. ولا يمكن في هذا السياق عدم التوقف عند الأسلوب الدرامي السلس والممتع في كتابة فهمي. ففي كتاب "كل رجالات الباشا" هناك جندي مصري افتراضي يلاحق الكاتب عبر قصّته الأحداث لعرض الحقائق والمعلومات.

وفي هذا الشأن، يروي فهمي ما أحدثته تلك الوثائق والمستندات لديه حين عَثر عليها. فهي جعلته يوقف المخطط الأوّلي "التقليدي" لأطروحة الدكتوراه، إذ فتحت عيونه على كنز يمكن من خلال قراءته وتحليله تفكيك مفهوم السلطة في مصر الحديثة وثقافتها. وكما هو واضح، فإن هذا المفهوم عند فهمي يتجاوز السياسة والإجراءات والقوانين إلى الحياة والقيم والعادات والتقاليد والأعراف، كما في المساحات العامة كذلك في الأمور الخاصة والشخصية، ومنها الجسدية والنفسية.

جسد تاريخ مصر وحواسه

وفي التوجه ذاته، أصدر فهمي بعد "كل رجالات الباشا" و"الجسد والحداثة" (دار الكتب والوثائق القومية)، كتاب "السعي للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة"، الذي يعتمد مثل سابقيه على السجلات المحفوظة في دار الوثائق القومية في القاهرة. وهو ترجمة حسام فخر، ومراجعة وتدقيق علاء سويف، ويتضمن رسوماً لريم نجيب.



السعي للعدالة



ويتّخذ "السعي للعدالة" الجسد البشري وحدة للتحليل، ليقدم بناء على ذلك تصوراً شاملاً للطريقة التي تأسست بها حداثة مصرية في القرن التاسع عشر. ويعرض للأساليب التي استحدثتها الدولة المصرية للتحكم في أجساد رعاياها. وكذلك الأساليب التي اتبعها الأهالي للتحايل على تلك السياسات أو لاستخدامها سعياً للعدالة. ويتناول مراحل تأسيس الخدمة الطبية وسياسات الصحة العامة من تشريح وتطبيق للحجر الصحي وتطعيم ضد الجدري، والأساليب التي طبقت بها الشريعة في المحاكم الشرعية ومجالس السياسة، وسياسات تخطيط المدن، ودور الحسبة في الرقابة على الأسواق، إضافة إلى السياسـة العقابية بما تشمله من قصاص وسجن وتعذيب.

ومن خلال "محوريّة" الإنسان وجسده، يفتح فهمي الأبواب لتأريخ مصر. وينطلق من حدث يعتبره "فاصلاً"، هو الدرس الأول للتشريح التعليمي في مصر، في 1827، في مدرسة الطب التي أنشئت في أبو زعبل شمال شرقي القاهرة. والوثيقة الأولى التي "يشرّحها" فهمي هي "لوحة غريبة لا تحمل توقيعاً" في متحف لتاريخ الطب في القاهرة (للرسام الروسي ستريكالوفسكي). ويقول فهمي: "خلافاً لمشهد التشريح الأشهر في لوحة فيساليوس التي زيّنت الصفحة الأولى من كتابهDe Human Corporis Fabrica (1543)، فلا أستاذ التشريح ولا الجثّة التي يجري تشريحها هما اللذان يحتلّان مركز الصدارة في اللوحة المصرية، وإنّما تحتل مجموعة من المشايخ قلب المشهد، وصوّرهم الرسّام بطريقة تجعلهم يحجبون الجثّة عن نظرنا وعن نظر الطلاب، الجثّة التي يفترض أن تكون مصدر المعرفة الحسّية بالهيكل الداخلي لجسم الإنسان. وهكذا يقف الدين حائلاً أمام التشريح".

وهكذا يبدأ البحث من إشكالية تعامل المؤسسة الدينية مع حدث علمي وتعليمي ضخم لا يتقيّد بالتعاليم الدينية السائدة. وتحاكي الفصول الخمسة في الكتاب، الذي يحضر فيه أيضاً فوكو وفلسفته ومنهجه، الحواس الخمس. فهو يستخدمها "كأدوات توضيحية لعرض وتفصيل الركيزتين للكتاب: القانون والطب، ولطرح فُكَر خمس أساسية، واحدة في كل فصل، تتناول العلاقة بين العلم والدين".

حاسة البصر في الفصل الأول "لعرض عمليات التشريح، ولوصف الطرق المتشابكة المعقّدة لإدخال علم التشريح الطبي إلى مصر... ويدور هذا الفصل حول تساؤل عما إذا كان عامة المصريين قد رأوا دروس التشريح التعليمي في قصر العيني باعتبارها تدنيساً وانتهاكاً لحرمة الجسد الإنساني، أم أنّهم كانوا أكثر اهتماماً بكون تلك المؤسسة الطبية مستشفى عسكرياً بالأساس. بعبارة أخرى، هل كان السياق الديني أم السياق العسكري هو صاحب الأثر الكبير في تشكيل رد فعل المصريين ورؤيتهم للطب الحديث؟".

ويعرض الفصل الثاني للركيزة الأساسية الثانية للكتاب، ألا وهي القانون، وذلك من خلال حاسة السمع. وكما صنع فهمي في "كل رجالات الباشا" جندياً افتراضياً، يفترض في هذا الفصل من "السعي للعدالة" قضية جنائية، ويتابعها في مراحل التقاضي. وبذلك "يصف النظام القانوني لمجالس السياسة ويناقش طبيعة تفاعلها مع المحاكم الشرعية التقليدية. ويتحدّى الرؤية التقليدية المستقرة التي تصف التاريخ القانوني المصري في القرن التاسع عشر باعتباره قد مرّ بعملية قاطعة لا رجعة عنها... ويثير تساؤلاً عمّا إذا كانت العلمنة هي المنظور الصحيح لرؤية التحوّلات الكبرى التي شهدها القانون المصري، أم أن إضفاء الطابع البيروقراطي المؤسسي هو المنظور الأنسب لرؤية تلك التحولات".

ويدرس الفصل الثالث الاعتقادين اللذين كانا سائدين بين ممارسي المهن الطبية في القرن التاسع عشر، فواحد يعتقد بأن "الأمراض تنتقل بالعدوى"، وثان يؤمن بأنها "تنتشر بسبب الأوخام التي تفوح من الجثث الآخذة في التحلل". و"يتخيل" هذا الفصل "كيف كان لرواية تاريخ القاهرة في القرن التاسع عشر أن تختلف لو تتبّعنا حاسة الشم بدلاً من حاسة البصر وأخذناها دليلاً".

ويتناول الفصل الرابع حاسة التذوق، و"يتابع الطرق التي تمت بها مراقبة أسواق الطعام في القاهرة"... في حين يبرز الفصل الخامس حاسة اللمس. و"يتناول الجَلد كأسلوب من أساليب التعذيب، ويخص بالدراسة المتعمّقة لائحة صدرت عام 1861 حظرت استخدام الجَلد كوسيلة لانتزاع الاعترافات وكأحد أشكال العقاب المشروعة". ويربط حظر التعذيب لانتزاع الاعترافات بنشوء الطب الجنائي الذي يمكّن من معرفة أسباب الوفاة، والسجون التي تعد أداة العقاب.