جاد حداد

Take Care Of Maya... قصّة مايا كوالسكي المأسويّة

5 دقائق للقراءة

يُعرّفنا الوثائقي الجديد Take Care Of Maya (إعتنِ بمايا) للمخرج هنري روزفلت، على شبكة "نتفلكس"، على مايا كوالسكي ورحلتها المأسوية من المرض إلى الصحة. على مر الأحداث، تريد هذه الشابة أن تسلّط الضوء على الجهود المضنية التي بذلتها والدتها لتحسين صحتها، فضلاً عن كشف عيوب النظام القانوني الأميركي. تشمل رحلتها الشاقة خسارتها لأقرب شخص إليها ونضالها المستمر لاسترجاع حياة طبيعية.

وُلِدت مايا في مدينة "فينيس"، فلوريدا، وعاشت طفولة هادئة وعادية. كان والدها جاك رجل إطفاء، وعملت والدتها بيانا كممرضة. لكن في العام 2015، اتّخذت حياتها منحىً غير متوقع، فمرضت وشعرت بألم مبرح وظهرت أعراض غريبة في أنحاء جسمها. ثم بدأت تعاني من ضيق التنفس، وتسعل بلا توقف مع إفرازات مخاطية، وراحت ساقاها تنحنيان، وهو مؤشر على خلل التوتر العضلي. نتيجةً لذلك، لم تعد تستطيع تحريك ساقيها أو رفع يديها، وباتت تشعر بألم شديد حين تحاول تحريك أطرافها بهذا الشكل. كانت تلك التجربة مريعة وقد أدركت والدتها أن ما يصيبها بالغ الخطورة. عجز الأطباء عن تحديد سبب معاناتها ونسبوا أعراضها بكل بساطة إلى القلق أو مشكلة نفسية معينة، رغم إصرارها على عكس ذلك.

لم تستسلم والدتها في أي لحظة وتابعت البحث عن الأجوبة بلا كلل. سرعان ما قادتها أبحاثها إلى عيادة "كيرك باتريك"، حيث تلقّت تشخيصاً واضحاً: متلازمة الألم الناحي المركّب. حصلت الفتاة على علاج بالكيتامين، لكن لم تكن المقاربات النموذجية فاعلة في حالتها. نقلها والداها إلى المكسيك لتلقي علاج الكيتامين في الوريد. أعطى هذا الدواء مفعوله لكنه سبّب لها هلوسات. ركّز والداها على مرحلة تعافيها وقدّما لها الدعم طوال هذه الفترة الصعبة. ثم أوصتها طبيبتها بجرعة منخفضة من أقراص الكيتامين تزامناً مع العلاج الفيزيائي، فبدأت تستعيد صحتها تدريجاً وتأمل في مستقبل أفضل.

لكن اتخذت حياة مايا منحىً مأسوياً آخر حين تدهورت صحتها مجدداً، في تشرين الأول 2016، فدخلت إلى مستشفى "جونز هوبكينز" للأطفال. شعر الأطباء هناك بالقلق حين تكلمت والدتها عن تلقّيها علاج الكيتامين لأنهم ما كانوا متأكدين من فاعليته. ثم اتهموها بإساءة معاملة مايا وشخّصوا لديها متلازمة "مانشاوزن". هذا الاتهام الكاذب دمّر حياة مايا. خلال محاكمة والدتها بتهمة إساءة معاملة ابنتها، بقيت الفتاة بعيدة عن منزلها. هي اعتبرت بقاءها في المستشفى طوال ثلاثة أشهر أشبه بالسجن. حاربت والدتها لإثبات براءتها لكن انقلب النظام القانوني ضدها. تأثرت نفسية مايا الهشة أصلاً بخضوعها لمراقبة مستمرة وبالتقارير الكاذبة عن والدتها، وقد انفطر قلبها حين تلاشت قوة أمّها بالكامل.

ثم وقع حدث لا يمكن تصوّره: انتحرت والدتها. لم تتحمّل مايا الصغيرة ألم خسارتها. هي خرجت من المستشفى بعد موت والدتها وتم إرسالها إلى "رود آيلند" لتلقي علاج متخصص، لكن لطالما أثّرت تلك الصدمة على تعافيها.

قررت عائلة مايا اتخاذ خطوة جريئة ورفع دعوى قضائية ضد المستشفى وقسم الأطفال والعائلات فيه لتحقيق العدالة وحماية الآخرين من ظلم مماثل. كانوا يعرفون أن تجربتهم قد تسلّط الضوء على مشاكل النظام القائم وتُحدِث تغييراً ضرورياً. عندما لاقت هذه القصة رواجاً واسعاً، بدأ أشخاص من جميع مجالات الحياة يرفعون الصوت بعد تعرّضهم للنوع نفسه من سوء المعاملة. سرعان ما تبيّن أن الدكتورة سالي سميث، الطبيبة المتخصصة بحالات سوء معاملة الأطفال، كانت قد اتخذت تدابير صارمة في 12 قضية من التُهَم الكاذبة على الأقل من دون أن تجمع الأدلة المناسبة، فاتكلت بكل بساطة على فرضياتها الشخصية. هي دمّرت عائلات كثيرة وكسرت الثقة بنظام الرعاية الصحية الأميركي.

تبلغ مايا كوالسكي 17 عاماً اليوم وتقيم في فلوريدا، وقد نجحت في التمسك بنظرة تفاؤلية عن الحياة. لكنها تمرّ بلحظات تفقد فيها صبرها. كان التأخير المتكرر لجلسات الاستماع في المحكمة ورفض القاضي سماع جانبها من القصة جزءاً من التجارب المدمّرة بالنسبة إليها نظراً إلى صغر سنّها. تبدو المقابلات التي تظهر فيها مايا في الوثائقي الجديد مؤثرة لأقصى حد. تحمّلت هذه الشابة الجميلة خسائر كارثية في حياتها، لكنها لا تزال مُصمّمة على رسم مسارها والتألق في كل ما تفعله وجعل والدَيها يفتخران بها.

لا تزال الصدمة التي عاشتها تؤثر عليها حتى الآن، وهي لم تتجاوز الفراغ الذي تركه موت والدتها في داخلها. مع ذلك، تعلّمت مايا أن تواجه تلك العواطف وتسيطر عليها. هي تدرك أهمية أن تمضي قدماً في حياتها وتسعى إلى تحقيق النجاح لإسعــــاد والدتها وتكريم ذكراها.

في الجزء الأخير من الوثائقي، تقرأ مايا رسالة مؤثرة تُوجّهها إلى والدتها، فتُعبّر عن امتنانها لوجودها في حياتها وتعترف بتأثيرها على تطوير شخصيتها. ثم تودّعها للمرة الأخيرة بحزنٍ شديد وهي تعرف أنها لم تحصل يوماً على فرصة توديعها مباشرةً. هذا المشهد المؤلم يسمح لمايا بإنهاء ذلك الفصل الموجع من حياتها، ويُشجعها على متابعة رحلتها في الحياة وهي تحمل ذكرى والدتها في كل مرحلة جديدة.