ليس التحجج بعطلة العيد لتبرير جمود الاتصالات في شأن التوصل إلى مخرج من الفراغ الرئاسي سوى ذريعة إضافية من ذرائع الخواء السياسي الداخلي الذي هو مصدر العجز عن صياغة تسوية على الرئاسة، مثلما يشكل الحديث عن تعليق الآمال على اختراق خارجي بتسوية دولية إقليمية تشمل المأزق اللبناني، دليلاً على العجز عن اجتراح أي حلول. العطلة تعني الإفادة من مناسبة العيد لتسويغ التعطيل.
«عطلة العيد» بهذا المعنى ممتدة منذ أكثر من ثمانية أشهر من الشغور الرئاسي، ومرشّحة لأن تمتد لمزيد من الأشهر الجديدة. هذا ما تجمع عليه الأوساط كافة المعنية بانتخاب رئيس للبنان، مهما ألبس الفرقاء في تصريحاتهم ومواقفهم الموقف بالشعارات الرنانة.
حتى الدعوة إلى الحوار باتت شعاراً إعلامياً مملاً، وليس موقفاً سياسياً، وصارت غطاء لإضاعة المزيد من الوقت بالنسبة إلى البعض، وغلافاً لمناورة سياسية مع ادعاء الحرص على إنهاء الفراغ، وبتكرار الزعم أنّ البلد «لم يعد يحتمل» بالنسبة إلى البعض الآخر، وهي عبارة تتكرر منذ ما قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، بدلاً من أن تكون طريقة لاستكشاف الحلول. استنزف الخواء السياسي الذي يعيشه لبنان معاني اللغة ومقاصد الكلمات، وأحال أي تذاكٍ في محاولة القراءة بين السطور إلى صنف من أصناف الهلوسة، وفي أحسن الأحوال إلى قول الشيء ونقيضه.
حتى المحظورات التي كان يحذر منها الممانعون وبعض المعارضين والقيادات الروحية، على أنّها من الكبائر، بفعل إحالة بعض من يتبوأون وظائف رئيسة ومهمة إلى التقاعد، مثل رئاسة أركان الجيش وأعضاء المجلس العسكري، ومدراء عامين ووظائف أخرى أمنية... ليكون شغورها حافزاً لأجل استعجال إعادة تكوين السلطة لتدارك الأمر، مر شغورها مرور الكرام. بل أنها أصبحت من الصغائر. وبعد أيام تنتهي ولاية حاكم مصرف لبنان من دون تعيين بديل منه ليتم ملء الفراغ بنائبه، وسيحال قائد الجيش إلى التقاعد بعد أشهر من دون ان يحصل انتخاب رئيس وتشكيل حكومة من أجل تعيين بديل منه. صار الاعتياد على تعميم الفراغ بقرار متخذ عن سابق تصور وتصميم هو القاعدة.
وحتى الموفدون الأجانب كممثل الرئاسة الفرنسية وزير الخارجية السابق جان- إيف لودريان، تمّ إغراقه في معزوفة الحوار، الذي يتهيأ من أجل اقتراح صيغة للدعوة إليه بعد التشاور مع رئيسه كما وعد في بيانه الجمعة الماضي. سبق لدبلوماسيين غيره استكشفوا إمكان الدعوة إلى حوار، أن عادوا أدراجهم بخفيْ حنين. والداعون إليه يرفضون رعايته من رئيس البرلمان نبيه بري إلى البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي.
لكل من الفرقاء مفهومه للحوار، بحيث ينتهي الأمر لتحوله إلى مجرد مظلة للانسداد السياسي الداخلي ووسيلة لإطالة أمده. أبرز أنواع التناقض الذي يفرّغ الحوار من مضمونه يكمن في إصرار «حزب الله» على أن يكون من أجل إقناع الخصوم بمرشح الممانعة، رغم معرفته بالأسباب السياسية لرفض هؤلاء الخصوم تأييده بل أنهم جهدوا للاتفاق على مرشح ينافسه وصوتوا ضده. باتت الدعوة إلى الحوار مرادفة للعبثية تخفي نقيض معناها.
ربما كان من «فضائل» الخواء السياسي الداخلي ما يعتمل داخل بعض الفرقاء والأحزاب من اضطراب وتحولات وتغييرات في تركيبتها الداخلية، جراء العجز عن إيجاد الحلول، أو بسبب التحديات التي ستواجهها المكونات السياسية بفعل التغييرات الإقليمية الحاصلة والمرتقبة وهي العملية السياسية الوحيدة التي لها مغزى.
في «التيار الوطني الحر» يتعمّق التصدع الذي أصاب كتلته النيابية بعد اضطراره إلى مغادرة موقع السلطة الذي تميز بالاستئثار بالكثير من الأمور. وهو الموقع الذي طبع ممارساته المحمية من «حزب الله» على مدى ست سنوات.
وفي فريق «الممانعة» تُنتج المكابرة وحالة الإنكار لتنامي الاعتراض على أخذه البلد نحو خيارات أخذت البلد إلى المزيد من الانهيار، أسئلة ضمنية حول كيفية تنظيم تراجعه عن استخدام السلاح للتحكم بالمؤسسات الدستورية: هل باللجوء إلى مغامرة عسكرية أمنية جديدة؟ وهل تكون داخلية أم خارجية؟ فالتراجع سيكون مكلفاً عليه بعدما اعتاد على امتيازات السلطة والتفرد في الطائفة.
وفي فريق المعارضة لا سيما المسيحية، تخبطٌ حول أفكار الفيدرالية وتغيير الصيغة. أما الفريق السني فلا يزال يتلمس طريقه وسط الضياع لغياب زعامته والسند الإقليمي، فيما شهد الشق الدرزي من هذه المعارضة، تغييراً في قيادته لعله يتأقلم مع ما ينتظر البلد.