وليد شقير

ضمانات لـ"الممانعة" أم للمعارضة؟

4 دقائق للقراءة

إنّه نموذج لما هو مطلوب خلال العهد الرئاسي المقبل، ذلك الموقف الذي اتخذه المسؤولون اللبنانيون بالامتناع عن التصويت على قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة إنشاء آلية لكشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً في سوريا، لا سيما منذ عام 2011 حين اندلعت الانتفاضة السورية على النظام.

بصرف النظر عن التعليقات السياسية على هذا الامتناع وعن المواقف المبدئية التي دانت الموقف الرسمي، يفترض بالقيادات السياسية التي صبّت غضبها ضد المسؤولين اللبنانيين ألا تتفاجأ بما حصل. مراعاة موقف «حزب الله» كمكوّن سياسي رئيسي في البلد له نفوذه في قلب السلطة السياسية وداخل الحكومة، وموقفه الدفاعي عن النظام السوري، ليس جديداً في السياسة اللبنانية في المحافل الدولية، وحتى العربية، على امتداد السنوات السابقة، حتى قبل موجة الانفتاح العربي ولا سيما السعودي على دمشق. والمواقف المستقلة عن توجهات فريق الممانعة نادرة جداً، مثل إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا في 25 شباط عام 2022، الذي جاء جراء معرفة هؤلاء المسؤولين بالكلفة العالية لمعاكسة الموقف الغربي والأميركي.

قد يقول قائل إن المحاذير إزاء ما سبق أن تسببت به المواقف اللبنانية الرسمية المعاكسة للموقف العربي، في السنوات السابقة من قطيعة خليجية، سواء في شأن اليمن والامتناع عن إدانة الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وتجنب إدانة ارتكابات النظام السوري، لم تعد قائمة بعد المصالحة السعودية - الإيرانية، والسعودية - السورية وعودة دمشق إلى الجامعة العربية. إلا أنّ الصحيح أيضاً أن دولاً عربية لها وزنها في العلاقة مع لبنان، مثل الكويت وقطر أيدت قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة بإنشاء الهيئة الأممية للتقصي عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً.

إلا أنّ هذا لا يمنع القول إن الموقف اللبناني الأخير هو استمرار لمواقف عهد الرئيس السابق العماد ميشال عون، الذي يراد ضمان استمراريته بانتخاب الرئيس الجديد الذي «لا يطعن المقاومة في الظهر». تلك العبارة المطاطة التي تعني بين ما تعنيه ألا يأتي رئيس يسمح بمواقف من السلطة السياسية تخرج عن سياق الانضواء تحت نفوذ محور «الممانعة». هذا في الوقت الذي يدور الصراع الراهن في البلد، وحول الرئاسة، على الكلمة لمن في العهد الرئاسي المقبل، لـ»الممانعة» بحكم ميزان القوى العسكري وسطوة القوة المسلحة التي أنتجت أعرافاً محمية إقليمياً، أم لميزان القوى السياسي ولمنطق المؤسسات الدستورية واتفاق الطائف والشراكة المحمية دولياً وإقليمياً؟ فاتفاق الطائف تبناه مجلس الأمن الدولي عام 1990.

أنتج الخلل في الشراكة خلال العقدين الأخيرين سياسة تنطق باسم هذا الخلل، يسمح الفراغ الحالي في الرئاسة باستمراره على المنوال نفسه الذي جرت ممارسته في العهد العوني، بلا حسيب أو رقيب. فكيف الأمر حين يصبح ضمان ألا «تُطعن المقاومة بالظهر»، إذا كان هناك قرار دولي يستهدف أحد الأعمدة الإقليمية لـ»الممانعة»؟

حين يصبح المقصود برفض الرئيس «الذي يطعن المقاومة بالظهر»، من بين أمور أخرى كثيرة مقصودة، ألا تتبنى السلطة السياسية أي موقف يعاكس مصالح النظام السوري كأحد أركان «الممانعة»، يمكن فهم خلفية الامتناع اللبناني عن تأييد موقف إنساني مبدئي، هو التقصي عن مصير عشرات آلاف المفقودين والمخفيين قسراً. فهو مبدأ لا يقل أهمية عن مبدأ رفض اجتياح دولة كبيرة لدول صغرى، كان دفع لبنان، الدولة الضعيفة بمواجهة دولتين تتفوقان عليه بالقوة على حدوده، إسرائيل وسوريا، إلى إدانة العملية العسكرية الخاصة الروسية في أوكرانيا. وفي الحالة الأخيرة، لدى لبنان آلاف المفقودين والمفقودين قسراً الذي صدر قانون بضرورة معرفة مصيرهم. أي أن لبنان معني مباشرة بالمبدأ - القضية، قبل أي حديث عن جرائم موثقة ارتكبت في سوريا يندى لها الجبين.

قد لا ينفع لوم الخارجية في الموقف الأخير، ولا رئاسة الحكومة التي تحاذر المبادئ لانحيازها إلى المصالح، إذا عاد المرء إلى تاريخ مواقف سبق للبنان أن أخذها في المحافل الدولية، كان تبريرها «تجنّب الحرب الأهلية» أو تفادي فرط الحكومة أو المشاكل داخلها أو الخطوات الانتقامية، للدلالة على أنّ قوة زاجرة هي وراء هذه المواقف. ولطالما تحول رفض الطعن بالظهر، طعناً بمنطق التوافق حول السياسة الخارجية.

الرئيس المقبل سيواجه لست سنوات مقبلة عشرات الحالات الشبيهة، يطالب الممانعون بـ»الضمانات» للتحكم بوجهة الموقف منها، في وقت الفريق الآخر هو الذي يحتاج إلى الضمانات من أجل تجنب ممارسة الإكراه عليه في اعتماد سياسات تمليها مصالح إقليمية مناقضة قادت لبنان إلى ما هو عليه...