إلى محمد العبدالله حيثما هو...
بارعاً كان محمد العبدالله في صياغة تفاصيل يومية، جذاباً في لغته الطازجة، سواء كتب عن طفولة ولد هاشل على نبع «الدردارة» مقصد أولاد مرجعيون والقليعة والخيام والخربة قبل أن تصبح برج الملوك، أم تبحّر في وصف مكوّنات «جاط التبّولة» الجاذب لكأس عرق يتصبب عرقاً.
تذكرتك، أيها الزميل المتسكّع في غياب تخطى السبعة أعوام، وأنا أفتش عن باقة بقدونس في قرية العلالي فيلادج، وسط قارة البترون.
هناك في العلالي أشلح المهنة وأعلقها على مشجب، ألبس ما لا يُلبس. أنزل إلى الجنينة وأعمل في الأرض نكشاً وتعشيباً و «تثليماً»، وأثبت فصلاً بعد فصل عدم أهليتي في «التطعيم» و»التشحيل» و»التسميد» وربط القصب.
مع استكمال بناء منزلي الصيفي قبل عقد، نصحني أحد أبناء محمرش البررة بمسكبتين لا غنى عنهما: «بقدسونة» وهكذا تُلفظ، و»نعنعة». وبسبب عدم انتظام الري، لا عرق بقدونس قطفت ولا ورقة نعناع. يوم السبت «توحّمت» على صحن تبولة. قمت بجولة على الدكاكين المجاورة بحثاً عن باقة بقدونس فلم أوفّق. قلتُ ما لي سوى الأصدقاء والمعارف المجاهدين زراعياً، أصحاب الجنائن. علقت آمالي عليهم وجاءت أجوبتهم صادمة، «وحياتك بعد ما بتنجم» أو «يا ريت حكيتني قبل جمّها»، «في نعنع وكزبرة إذا بيمشي الحال»... كل الأجوبة لم تدفعني إلى اليأس. إنتقلت إلى الخطة «ب». وسّعت دائرة الإتصالات بشخصيات بلدية واختيارية إستدللت بنتيجتها على جنينة في قرية مجاورة حيث لا بد أن أجد فيها ضالتي. ترجلت من سيارتي وتوجّهت إلى صاحبة المنزل من قلب محروق: وأخيراً سأجد عندكم بقدونس أليس كذلك؟ فأجابت: عندنا بقدونس في الخيمة (البلاستيكية) بس يا ريت احكيتني قبل.
سألتها: هل من مشكلة؟
جاوبت: الحرارة مرتفعة في الخيمة. وزوجي عندو دفن. فـ sorry.
شعرت بنوع من الإحباط. عدت إلى البيت يائساً يا محمد. ثم لمعت برأسي: لماذا لا أتصل بصديق العمر غياث (يزبك حتماً) وأعرض له قضيتي. هل سيردني سعادة النائب خائباً؟
تلقيت وعداً من سعادة النائب. غمرتني الفرحة. هرعت إلى مراح الحاج وبدلاً من باقة البقدونس إستقبلني بضحكة عريضة وكيس خيار من جنائنه غير المعلّقة، وأسف شديد الأسف بالنسبة إلى البقدونس.
قعدت أستمع إلى مطالب زوّاره وكلها محقّة. فور مغادرتهم جلسنا نتحدث في شؤون وشجون شتى وقبل أن أهم بالمغادرة أقبل عليّ رجل طيب وقدّم إليّ باقة بقدونس طازجة.
تبولة وكاس عرق جملة إعتراضية في نص طويل يا محمد.