يطل وجه المطران جورج خضر، ويتردد صوته، في عيد ميلاده المئة. لا يقنعنا ابتعاده منذ استقال في 2018 لأسباب صحيّة. حبنا أن نراه وأن نسمعه جعلنا نروي سيرته. وجمعها ليس يسيراً وإن كانت واضحة شفافة. هي فعل وإن قال وكتب كثيراً. هي في الآخرين أكثر مما هي فيه. وقد جعل الإيمان حياة لا عبادات فحسب. وجعل الكنيسة خدمة للفقراء والمحتاجين بقدر ما هي حياة في الرب. وجعل اللاهوت نصرة للحق والمظلوم وإبداعاً وجرأة، إضافة إلى ما هو. تستند هذه السطور إلى مجموعة من أعمال المطران: «لو حكيت مسرى الطفولة»، «لبنانيات» و»هذا العالم لا يكفي» الذي حاوره فيه سمير فرحات.
لنبدأ القصّة، قصّتي، من تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسية. أحبّ ذلك. ثمة أحداثٌ ومحطّات كثيرة في مسيرتي، لكن هذا الفعل يمدّني بالطاقة، حتّى وأنا في العام المئة من العمر. هو مستمر. وهو الظاهرة الكبرى في كنيستنا منذ 1942. لكن، ليس هذا ولا ذاك وحده ما يفرحني. ما يُبهجني هو اللهب الشديد الذي خمّر العجين وأنتج خبزاً.
كنتُ في التاسعة عشرة من العمر (مواليد 6 تموز 1923). لم أصل إلى تلك المحطّة بهدوء وسلاسة. الأيّام والسنوات دربٌ تارة وبحرٌ طوراً، وفي أحيان كثيرة متاهةٌ. لعلّي اخترت دراسة الحقوق، في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، لرغبة في أن يسود العدلُ بين البشر. لطالما حرّكني الفقرُ والظلمُ، انتفضت من أجل إنسانهما ولإبعادهما عنه. لكن، أحسب أنني تقت إلى أن يحكم القانون حياتنا الدنيوية. كان العالمُ غارقاً في حربه الثانية. والبلاد، هنا، تُنشد استقلالها من الانتداب الفرنسي. آمنت بذلك. لم أتردّد. شاركت في تظاهرة حاشدة في مدينتي طرابلس. وفي ذاك اليوم، ذُهلت. دَهست الملّالات الفرنسية تسعةً من المتظاهرين. لكنّني أصررت، وأنا تحت وطأة تلك الفاجعة، على الفصل ما بين سلطات الانتداب والإنسان والثقافة الفرنسيين. فعلت ذلك على رغم تعالي المعلّمين الفرنسيين على اللبنانيين. ذاكرتي تختزن ذلك من أيّام الدراسة في الفرير في طرابلس، ثم في الصف الثانوي الأخير في بيروت (الجميزة). وكان ذلك يصدمني. وما زال يحيّرني كيف لإنسان كنسي، مثل أولئك المعلّمين، أن يتعالى على إنسان آخر. ومحور تساؤلي في ذلك هو أن كيف ينطلق الإنسان المتعالي، وهو كنسي، من تعصّب وطني. افترضت، وما زلت، أنَّ الإنسان الكنسي والمؤمن عموماً يتعامل مع الآخر بوصفه أخاً في الإنسانية. هذه أوّليات التعاليم. وافترضت أن الإنسان الكنسي يتحرّر من أي شعور بالتفوّق، سواء أكان شخصيّاً أم قوميّاً وما إلى ذلك من نوازع الدنيا وقشورها.
تجربتي مع أولئك الرهبان فتحت عيوني على عالم فسيح. تناقضاتٌ تتفجّر أسئلة. فمنهم أخذت نواة المسيحية، روحيّاً وثقافيّاً. وفي الوقت نفسه، لمست الجفاء الصارخ بين الكثلكة والأرثوذكسية في التعليم. أثّر فيَّ ذلك. ولم أكن إزاء ذلك منحازاً إلى الكنيسة الأرثوذكسية. بل على العكس كنت مؤمناً يبحث عما يشبه النصوص. وكدت، وأنا في الرابعة عشرة من عمري، أنضم إلى الكنيسة الكاثوليكية. أحسست طويلاً أنّ عليّ ذلك. لكنني حين قرأت العهد الجديد وجدت أنّ الكنيسة الأرثوذكسية هي كالكنائس التي كان يصفها بولس الرسول. فعادت هذه وجهتي وبيتي. وقد أودعت ذاك الجفاء الصارخ في مكان آمن، قيد العلاج. جعلتُني أفكّر في الكنيسة والإعداد العلمي والروحي، لدى الكاثوليك والأرثوذكس. وكان الاكتشاف وهوله. «وجدتها»، صرخت موجوعاَ وحادّاً. أنا المقيم في الرعية، الساجد في الكنيسة، السائل في الأديرة، المشدود إلى الفقراء، لا أجد مرشداً. من هم في دور المرشد هم في فقر معرفي. لم يُعدّوا على ما يرام. هناك قلّة من الكهنة الموارنة حصّلوا علماً في باريس وروما. أما الأرثوذكس فكانت قلّتهم قليلة جداً. تأثّروا بسقوط روسيا القديمة، مع ثورة البلاشفة في 1917. كانوا يدرسون هناك، وخسروا ذلك. تضاءلت الأديرة وهُجرت. الروح المسيحية اختُصرت إلى طقوس وعبادات. كانت حالاً مؤلمة. المؤمنون أشبه بأيتام. يتردّدون على الكنيسة في مواعيد الصلاة، يعيشون يوميّاتهم بورع وخشوع. طاهرون بالفطرة، وبما أرشدهم إليه الأهل.

وأنا من هؤلاء. أمي وأبي وأخي وأخواتي الخمس من هؤلاء. وجيراننا في حارة النصارى في طرابلس من هؤلاء. وكذلك المسيحيّون في سوق الصاغة هم من هؤلاء. كانوا يخصّصون الأحد يوماً للعطاء للفقراء والمحتاجين بلا تمييز. وهناك، كنت أسمع أجراس الكنائس والتراتيل تصدح. وهناك تعلّمت، وأنا طفل، كنس محلَّ أبي وتعريب نثور الذهب من الأوساخ. وهذه حرفة مفيدة، مثل اللغات والعلوم والمنطق... وقد جاء دورها.
وجاء دور ما نتعلّمه في الجامعة. كنّا حلقة أصدقاء وحوار وتوق لم يتبلور. لم نكن طلّابَ علمٍ فحسب. الشهادة ليست غاية في ذاتها. كنّا نقرأ الكتبَ والوجودَ وواقعنا بالعقل نفسه والحرارة ذاتها. كنّا على مقاعد الدراسة نتحسّس غيابَ الآخرين. نأمل وجودهم في القاعات معنا، ونهل المعرفة مثلنا. وإذ كنا نحن هنا، شعرنا بأننا مندوبون عن الغائبين. بدأنا نقترب من دعوة تكليف أنفسنا مهمّة نقل ما نتعلّمه إلى خارج الذات والأسوار. ولكون معظمنا منخرطاً في أنشطة ومنظّمات جامعية، ومدرسية سابقاً، لاحت فكرة ترجمة ذلك في المجتمع.
هذا لا يكفي. الجنين لم يكتمل بعد. أهرب من الصخب الذي يضج بي مثلما يحرّك حلقة الجامعة الغنيّة بالصداقة والنقاشات. المطالعة عومٌ. اكتشافاتُها أعيادٌ مثل أخشاب مبلّلةٌ تعين إلى حين. الشاطئ فكرة في الرأس، رجاءٌ. أنظر ولا أرى إلا بحراً وأمواجاً. أعقد هدنة مع القراءة. البحث مستمر. القلق أيضاً. يتضاعف. أفتح كتاب روحي. في البرية أسير بلا دليل أو عنوان. تؤلمني حجارة الأديرة والكنائس المهجورة. لست متروكاً. لست ضائعاً. أنا على يقين من ذلك. وجه يسوع أمامي لا يفارقني. المسألة ليست إيماني. تربّيت عليه. بحثي هو عن دربي، عن صليبي وجلجلتي. أسكتُ قليلاً. أحب أن يصلّي قلبي ويتردّد صداه على شفتي.

التأسيس
حان الموعد. تبددت الغيوم. اتضحت الرؤية. كما المجتمع بحاجة كذلك الكنيسة بأمسّها. المعرفة حاجتهما المشتركة. الكنيسة الأرثوذكسية ليست مؤسّسةً لفئة، لطائفة. هي كنيسة الرب، كنيسة التراث، المخلِصة للألفيّة الأولى، والقادرة على أن تحيا من جديد. وما علينا تأسيسه هو حركة شبابية تحيا في المسيح، تنشّط الكنيسة وتجددها. تنعش المجتمع والإيمان وتخدمهما، تحيي الإنجيل وتغرسه ولا تكتفي بالعبادات ترجمة وحيدة للحياة الروحية. وكي تكون مثل كنيسة المسيح لا بد أن تكون حركة للجميع. لا هي حزب ولا إيديولوجيا لها. لا تعرف نظاماً غير الإنجيل مترجماً حياة. ترجو المحبّة قانوناً والأخوّة والتبشير همّاً. وهذا ما يؤهّلها لتكون تيّاراً مواهبيّاً بحركة الروح القدس، ووطنه الأول والحقيقي كنيسة المسيح.
كنّا، البير لحام، جبرائيل سعادة، متري قصعة، نقولا عبدوش، أندريه عبدوش، جبرائيل دبس، إيلي برباري، الياس صليبي، لطف الله ملكي، ميشال الخوري، والعبد الفقير جورج خضر. انطلقنا إلى خير العمل، إلى تأسيس الحركة. ألّفنا لجنة ضمّتني إلى جبرائيل دبس وجبرائيل سعادة. وضعنا قانوناً للحركة وهويّتها. ولم ننتظر الإعلان الرسمي ولا انتخابي الأمين العام (16 آذار 1942). كنّا في الكنائس والأديرة وبين الناس، وانضم عدد كبير من الشباب. ومنذ البداية، كنّا نؤكد أننا حركة توعية ولسنا تمرّداً على الإكليروس. وإن بدا ذلك بديهة، أصررنا عليه. واحتجنا إلى هذا التوضيح، إذ رحنا نشدد على الاشتراك في القداس الإلهي والتناول في كل ذبيحة. اكتشفنا ذلك ونحن نقرأ الكتب الطقوسية، ونتعلم من النصوص، وليس نقلاً عن الآخرين. وكنّا نواجه المطارنة بما نستند إليه. لعل تربيتنا الحقوقية هي ما أفضى بنا إلى هذا النوع من المحاججة.
«شعب الله» وفلسطين
تخرّجت في الجامعة بعد الاستقلال بعام (1944). تدرّجت في طرابلس. وقُبلت محامياً في الاستئناف. لكنّ امتلائي بشعور النهضة جعلني أذهب إلى اللاهوت، ظنّاً مني أنني مع غيري، نأتي ونؤسس معهداً للاهوت، أو شيئاً كهذا، ونكمل النهضة على أسس المعرفة. توجّهت إلى معهد القدّيس سرجيوس للاهوت الأرثوذكسي في باريس (1947) الخارجة بحيوية من الحرب العالمية الثانية. فرحت لذلك. المعرفة تغمرني سعادةً. هناك، عرفت الكثلكة الغربية. اقتربت منها أكثر. سابقاً، كنت ألتقي بها عبر المعلّمين والمبشّرين، والقراءة طبعاً، ولم يكن انطباعي حسناً دائماً. تقويمي الإيجابي لها كان في ما أخذَته الكنيسةُ المارونية في لبنان منها. وأكثر ذلك وأدعاه إلى الاحتفاء، وربما إلى الاحتذاء، هو النظام والجدّة وتثقيف الكهنة والمطارنة. وهناك، في رحلتي الطويلة، كان ثمة متّسع للتذوق المباشر للثقافة والفنون الغربية عموماً والكنسية خصوصاً. صرت في بوتقة الفن الثري. والمقارنة هنا تفرض نفسها. المقارنة التي تتجاوز الظاهر من العمارة والرسم والموسيقى والمسرح والأدب والقول، إلى معنى ذلك لاهوتيّاً وأثره إيمانيّاً. فأنا آت من كنيسة فقيرة. وليس لذلك وحده تحرص على التواضع والتقشّف في العمارة والفن والترتيل والحياة والأنشطة. تذهب إلى ذلك رسالة منها بأنّها مثل المسيح متواضعة متقشّفة، وجميلة لأنها مثله. وإذ تقول ذلك بطريقة فنيّة جمالية فلكي ترمز إلى الملكوت والعالم الآخر، لا تَفاخراً ولا بذخاً أو ادعاءً. وعلى رغم ذلك، استسغت الفنون والجماليّات في الكنيسة الغربية، وتقصّيت فيها وجه يسوع الذي لا حُسن يضاهيه.
في مجمل الأحوال، لم يكن هذا همّي الأول، أو الأوحد. ولا هو الآن اختصاصي وإن انجذبت إلى معرفته. أعددت أطروحتي، بالفرنسية، تحت عنوان «فكرة شعب الله في العهد القديم» (1952). وليس غريباً أن يتزامن ذلك مع استعمار الصهيونية فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل، في 1948. على رغم ذلك حرصت على ألا تتأثّر دراستي بموقفي الإنساني والأخلاقي والسياسي. تشدّدت في ذلك للأمانة العلمية ولإبعاد اللاهوتي من سطوة السياسي. كذلك لأنني أميّز ما بين اليهود والصهيونية. وأعتقد أن «لا يهودية واحدة. هناك بين اليهود محافظون، وهناك الإصلاحيّون... الدولة اليهودية كانت قصيرة المدى، مع داود، ثم انقسمت إلى دولتين واحدة في الشمال وواحدة في الجنوب. ومنذ الاحتلال الأشوري البابلي لفلسطين، ستة قرون قبل الميلاد، إلى نشوء إسرائيل الجديدة، لم يكن هناك دولة يهودية. وهم يستندون الآن في قولهم إن هذه الأرض هي حق ديني لهم، إلى وعد الله لإبراهيم بأنه سيعطيه هذه الأرض، له ولنسبه من بعده، عندما أتى الله به من أور الكلدانيين إلى فلسطين. وهذا الوعد مشروط بحفظ العهد، أي هناك نوع من الميثاق بين الله وشعبه. وهذه قضيّة دينية بحتة. وهو وعد بالجنات والأزدهار مقابل الطاعة. لم تكن الأرض مطوّبة في تلك الأيّام لشعب معيّن. وهذا كلّه تغيّر في المسيح، لم يبقَ مع مجيء المخلّص من وعود أرضية أو سياسيّة لأحد من الناس، أو لشعب ما. المسيح نفسه هو ميراثنا، وهو الملك والملكوت. كل شيء بعده بات له معنى روحي. القومية لا تدخل في الكنيسة».
هذه خلفية تاريخية دينية لموقفي من القضية الفلسطينية، الذي يصفه صديقي غسان تويني بأنه يبلغ حدود العقيدة. وتأسس موقفي على منطلقات عدة، منها رفضُ سلخ الشعب الفلسطيني عن أرضه وتشريده، فيما يأتي غرباء يدّعون ما يدّعونه ليحلّوا بدلاً منه مستوطنين. ومنها تأثير الكيان الإسرائيلي على العرب، سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً. وإلى هذا وذاك، هناك مشكلتي مع الصهيونية، وهي تحديداً خيار عزل للفلسطينيين والعرب، أي خيار اعتزال الصهيوني الإنسانية وتالياً الله. دعائي أن يتوب اليهود عن صهيونيّتهم. إن مقاطعتي لإسرائيل حظ له وحيد في أن يتوب لأنّه إذا عظم بالتواصل وإياي فإنّه يستفحل في عنجهيّته ويزيد استكباره. إن رفضي التطبيع هو تربية لإسرائيل من أجل اهتدائه. لا سلام في العمق مع الدولة العبرية إلا بانخلاعها عن الصهيونية. أي بقبولها حقوق الإنسان لكل عرق وجنس يعيش في حدودها. فإسرائيل حبل بها بالإثم وولدت بالخطيئة.
لهذه الأسباب كلّها، ومن كوني مسيحيّاً، اعتبرت القضية الفلسطينية أخلاقية بقدر ما هي سياسية. لا يمكن للمسيحي الصمت تجاه ما يحصل من أعمال لا عادلة ووحشية في فلسطين. القضية جرح في قلب العالم العربي، ويمتحنه. وانتماء المسيحيين إلى سياقهم يجعلهم معنيين بشكل مباشر بمصير هذه الأرض.
ثوب الراهب
عدت بسرعة الشوق إلى لبنان. والديّ يرغبان في زواجي وإنجاب الأطفال. لم يطلبا ذلك، تركاه أملاً. المسيحيون هنا منذ زمن قلقون على الوجود والعدد واستمرار النسل. وأنا في وادٍ آخر. لا تقنعني فكرة الأقلوية، وأقر بواقع أننا أقلية. وفي تلك الأيّام، كان حلمي أن أؤسس رهبنة في دير القدّيس جاورجيوس في قرية دير الحرف من دون أن أدخل الكهنوت. رفَضت الرئاسة الروحية الاكتفاء بالرهبنة. علماً أن معظم الرهبان عندنا ليسوا كهنة. دعتني إلى الكهنوت. قلت لأمي إنني ذاهب إلى الدير. ظنت أنني أنوي القيام بخلوة روحية. ثم أدركت أني لبست الثوب الرهباني. انزعجت قليلاً، ثم تقبلت الأمور كما هي. أطعت القيادة الروحية. رُسمت شمّاساً ثمّ كاهناً في ظرف أسبوع (1954). خدمت في البطريركية في دمشق. واصلنا العمل في الحركة. وأُخترت، في 1955، خادماً لرعيّة الميناء- طرابلس.
إلى جانب عملي الرعوي، تابعت إدارة مجلة «النور» (منذ 1948)، ونشرنا مذ ذاك نحو 400 كتاب. اشتركت في جمعيات مجلس الكنائس العالمي العمومية، ابتداءً من 1954. مثّلت الكنيسة الأنطاكيّة في لجنة الإيمان والنظام في مجلس الكنائس العالمي، من 1963 إلى 1969. عملت في الجامعة اللبنانية أستاذا للحضارة العربية. أسهم ذلك في توسيع معارفي التاريخية والدينية وتنمية منهجيتي في البحث والتعليم (1965 - 1970). انشغلت بالكتابة أيضاً. مقالات وكتب في اللاهوت والتربية والمجتمع وأوضاع الإنسان المعاصر، والسياسة أيضاً. لم تستهوني فكرة أن أغدو أديباً أو شاعراً. وأصارحكم أنني لا أذكر كلّ ما أكتبه. أقرأ أحياناً عبارات أفاجأ أنني من وضعها على الورق. شخصيّاً، لا تفسير لدي إلا أن الله يكتب في يدي. واضطررت في حياتي اليومية إلى استبعاد مفردات يصنّفها البعض مزخرفة أو عميقة. فعلت ذلك كي لا يُقال إنني أتفلسف. لكنني لم أكترث لهذا الاعتبار في الكتابة. بقيت الكتابة بعيدة من الحسابات الشخصية. وهي تستحق. بقيت بالنسبة إلي بيتاً حميماً ووجهاً صادقاً، وطريقاً وطريقة لوصف الحياة في يسوع. وربما لهذا، منحني معهد القدّيس فلاديمير اللاهوتي الأرثوذكسي في نيويورك دكتوراه شرف (1968).
وخلال هذه الفترة، وبعد عمر من التهذيب مع الإناث، التزمت كل قواعد الكهنة. حميت نفسي بالصرامة التي لا تأبى القسوة والحدة أحياناً. قلت هذا أفضل، بلا شك، من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة.
انتُخبت مطراناً على أبرشية جبيل والبترون وما يليهما، في 15 شباط 1970. المهمة كبيرة. تمنّعت عن التجديد لي في الأمانة العامة للحركة. ثمة كثيرون جديرون في هذه المؤسسة المتعاظمة الولّادة. كذلك انسحبت من إدارة تحرير مجلة «النور».
واصلت نهجي: الاهتمام في تأمين كهنة صالحين ومتعلّمين. ونجحنا في إعداد كثيرين منهم. شجّعت نمو الأديرة ورعيت رهبانَ وراهبات أديرة دوما وكفتون ودير الحرف وبسكنتا وحماطورة. اهتممت بالفقراء والمحتاجين. أريدهم أسياداً في الكنيسة. أسّست مركزاً طبّياً اجتماعياً تابعاً للأبرشيّة، وصندوق التعاضد الأرثوذكسي. ومنذ السنوات الأولى استعنّا باختصاصيين لاستصلاح أراضي الأوقاف ووضع مشاريع تنموية (حالت الحرب فيما بعد دون إكمالها وخرّبت بعضها). سهرت على بناء أو إعادة تأهيل أكثر من خمسين كنيسة. شاركت الشباب في معظم أنشطتهم. وعظت في المناسبات، أثناء الخِدَم وفي نشرة «رعيّتي»، التي أسّستها للتواصل مع الرعيّة. والتفتُّ بهدوء ورويّة إلى تطوير البناء الكنسي وتأهيل عناصره علمياً وروحيّاً. نهضة الكنيسة بالمعرفة لا تتوقف.
نفسي حزينة
«منذ اللحظة الأولى للحرب، في 13 نيسان 1975، علمت أنها حرب عبثية، وأن اصطدام المسيحيين بالفلسطينيين، سيسوق إلى اصطدام اللبنانيين بعضهم ببعض. كان واضحاً أن هذه الحرب فيها كثير من الارتجال، وعدم الاستعداد العسكري. ثمّ اتضح أنّنا بتنا مسرحاً لدول أخرى، خصوصاً عربية. وكان واضحاً أن الفرز الطائفي سيسود. من عاش هذه الحرب، يرى أننا دخلنا في رقصة مجنونة، لا تقف. ودخلنا طبعاً في الدمار. لكن ما اتضح في الحرب نفسها، وما بعدها، أن أيّاً من الأفرقاء المتحاربين لم يكن يكنُّ حقداً للفريق الآخر. حرب بلا حقد، هذه فرادة لبنانية».
لست سياسيّاً، لكنني كنت أحترق. بل لكوني لست سياسيّاً كنت أحترق. أحترق مع الناس. المطران خادم الرعية لا الواعظ فحسب. لا أسمع الاعترافات والمآسي الإنسانية والحياتية فحسب. هذه امرأة مريضة، وحيدة، بحاجة إلى سداد فاتورتها الصحيّة وتنتظر حضن يسوع. هذا أبٌ عاطل من العمل استغلت ميليشيات ظرفه، جعلته قنّاصاً، هجرته زوجته للدم الذي على يديه، وها هو يبكي يسألني الرحمة، وأفتقده في ضياعه. أولئك شبّان، شابات، يرفضون القتال، يريدون متابعة الدراسة. مآسٍ مآسٍ. مهاجرون. مهاجرات. كثيرون ممن يحيون في المسيح غادروا. حتى انفجرت أمام قريب آثر كندا على بلادنا: إذا فل الأتقياء بقي المذنبون، إذا غادر الأوادم بقي الزعران.
نفسي حزينة. أقاوم بالمسيح. ليس لي غيره أصلاً. يتكرّر ركوعي أقبّل قدميه. وتتكرّر دعوتي: بخدمة الفقراء والمحتاجين نحيا. وهؤلاء يتكاثرون. ومواردنا تتضاءل. أخاف أن يتكاثر من يرغبون في النجاة وحدهم في الغربة أو في العلم أو في الثروة.
ويرفعني على الصليب أن هذا اللبنان هكذا. بلد جميل، وشعبه على شيء من الفطنة والحيوية، وأمور أخرى، لكنه بحاجة إلى رعاية. مُنع من الاكتمال والنضج. كان يقتضي التعامل معه بوصفه طفلاً. أبوه الشرعي، الموارنة، كان عليه أن يحضنه ويرعاه من حبّه المسيح وكنيسته. الآخرون، الأرثوذكسيون والمسلمون، الذين ارتضوا فيه ودخلوه أفواجاً بعدما بات كبيراً ثم عندما صار جمهورية الوفاق الوطني، كان عليهم أن يحموه ويسهموا في نضجه. الخوف دبَّ في الجميع. الثقة لم تعد متبادلة، فحضرت الأشباح وطارت العصافير. هذا البلد الذي يمثّل نموذج العروبة البيضاء صار ساحة لعجز العرب. صار صندوق بريد مفخخاً وطريقاً في اتجاه سير واحد: التدخل الأجنبي. هذه الواحة المتنوّعة، مرآة السماء، لا شك تُسهم إسرائيل في تكسيرها، تريد لها قطعاً متناثرة ترى آحاديّتها في كلّ منها على حدة.
ماذا يريد اللبنانيون؟
انتهت الحرب. كنّا منهكين مهجّرين. رحبت كما اللبنانيات واللبنانيين بالسلم. هذا رجاء، ونأمل أبعد من وقف آلة التدمير والقتل. ننشد بناء وطن وحريّة إنسان واستقرار شعب وطمأنينة. وشخصيّاً، أنشد علمانية، إلا أنني، ومثلي الأرثوذكس، خادمُ رعيةٍ، أي لست سياسياً ولا عندي ميليشيا. أواصل الكتابة والقول والفعل. أجمع حجارةَ كنيستي المتناثرة. أهتم للتربية العلمية والروحية. أحث على عودة المهجّرين، وأدعو المهجِّر إلى الاعتراف والمهجَّر إلى المحبة والبناء. أدعو المهاجر والمهاجرة إلى إمساك يد من ليس له يد هنا. أدعو القادة إلى الإحساس بالمقادين طوعاً أو لا حول ولا قوة لهم. وهل يفعل القادة السياسيون ذلك؟ لعلهم لا يبقون كما هم.
كما في الحرب كذلك في السلام، لم اتحمّس لدعوات سياسية إلى وحدة مسيحية هنا، ووحدة إسلاميّة هناك. هذا ليس استمراراً للحرب فحسب، ولا تنامياً للتشدد والعزلة هنا وهناك فحسب، ولا هلاكاً للشعب فحسب، هو كل هذا، وهو فشل في الامتحان. الامتحان الذي نحن فيه منذ 14 قرناً. وكنّا فيه تارة على ما يُرام وطوراً في توتّر وفوضى. وأخذ كلّ منّا من الآخر. تربّينا على بعض، وتذوّقنا كلّ مائدةَ الآخر وجماليّاته. نظر المسلمون، وهذا من دينهم، إلى المسيحيين بوصفهم أهل ذمة. وإذ أنزعج، مثل حملة الصليب، من ذلك، لا أنكر أن هذا القانون لم يُعمل به دائماً. وكان تآخٍ وسلام. وخاف المسيحيّون على خصوصيّتهم، وأفهم ذلك وأتفهّمه. لكن الخروج من ذلك لا يكون بالسياسة والتطيّف والعزلة وطلب الحصص في الدولة فحسب. وهذا اللاخروج ينطبق على المسلمين أيضاً. ولا شفاء بالطائفية بإلغائها سياسيّاً. قلت هذا للمسلمين وللمسيحيين على حدّ السواء. لكن عقدة الخوف، لدى المسيحيين، أقوى وأثبت من عقدة التخلف لدى المسلمين. هؤلاء، المسلمون، باتوا أكثر وتعلّموا الريادة على المسيحيين. باتوا واثقين.
تعلّموا واكتسبوا اللغات والتكلم مع العالم، وتضخمت ثرواتهم. وأنا أثق باعترافهم أن لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه. وهؤلاء، المسيحيون هذه المرة، باتوا أقلية، وانشغلوا بأنفسهم وبالحياة، ويتجادلون بين ما كانوا عليه وما باتوا فيه. غنّوا لبنان وتاريخه وصمتوا حين بدأ المسلمون يستسيغون ذلك. حين أتى المسلمون إلى ما دعا إليه المسيحيون، العروبة والديمقراطية مثلاً، سكت الدعاة. وحين نطق المسيحيون بالعربية كان المسلمون قد تفرّقوا بين مذاهبهم وشيعهم ومحاورهم في الإقليم. أرتعبُ من الشك في النيّات. ولم أتردّد في الحوار (المسيحي- الإسلامي والمسيحي- المسيحي). ناديت به عبر مآذن المساجد وأجراس الكنائس.
شاركت في كل محافله ومناسباته. والحقيقة أن الجميع يرحّب. لكن الحوار أُثقل بالأغاني، كي لا أقول المزايدات وسوء الفهم. فالقول إنه يجب أن يُفضي إلى التماثل يوازي رفضه. ولم أُحبط. قلت هو مستويان: تعايشي وفكري. في الأول، نحن لا بأس وعلينا أن نحصّنه بالوعي والإرادة. وفي الثاني، علينا بذل الجهد المعرفي الصادق. وقلت هو لا يلغي الفوارق، ولا يعدّل المعتقدات. هو إيضاح واستيضاح. ويبقى الإسلام إسلاماً، وتبقى المسيحية مسيحية. وهنا نبقى جميعاً. هيّا بنا! فليعرف بعضنا بعضاً! جعلنا الله شعوباً وقبائل فلنتعارف. والنظام السياسي لا يقوم على التعايش فحسب، فهذا محفوف بالمتغيرات والمخاطر. النظام يقوم على فلسفة قبول الآخر، بما هو، وعلى شراكته والمساواة. ولا أُخفي أنه بعدما بُح صوتي، تراجعت حماستي لنجاعة العلمانية في لبنان. لا لعطب فيها، وهذا طبيعي، بل لتراجع ثقتي في وعــــــي اللبنانييـــــــــن ماذا يريــــــدون وما هم يحتاجون إليه.
هذي الأسئلة لمن يشاء. لي الطفولة والصلاة.