يأتي الموسم السادس من مسلسل Black Mirror (المرآة السوداء) على شبكة «نتفلكس» ليؤجج قلقنا الوجودي مجدداً. يقدم أبطال العمل بابا إيسيدو وسلمى حايك وآرون بول أداءً مدهشاً في هذه الدراما البائسة والسابقة لعصرها، حتى لو لم يكن هذا الموسم الأفضل على الإطلاق.
يبدأ الموسم السادس بكابوس آخر بسبب التكنولوجيا. تحمل الحلقة الأولى عنوان Joan Is Awful (جوان مريعة). «جوان» هي مديرة قسم الموارد البشرية (آني ميرفي من مسلسل Schitt’s Creek). إنها امرأة لطيفة وكئيبة بعض الشيء، فتقرر يوماً الجلوس مع حبيبها لمشاهدة مسلسل جديد يحمل الاسم نفسه على منصة Streamberry (تبدو مشابهة لشبكة «نتفلكس» التي تعرض Black Mirror منذ العام 2016). سرعان ما تكتشف «جوان» أن ما تشاهده هو تجسيد درامي لما عاشته في حياتها خلال ذلك اليوم. المسلسل الذي تتابعه هو من بطولة سلمى حايك بينو (يتسنى لها هنا أن تستعرض مهاراتها الكوميدية على الشاشة الصغيرة للمرة الأولى منذ ظهورها المميز في مسلسل 30 Rock). هي تجسّد نسخة مريعة من «جوان». تسترجع كل حلقة جديدة أحداث اليوم، وسرعان ما تصبح الحياة لا تُطاق حين يفترض الناس على أرض الواقع أن صفات «جوان» المريعة تعكس شخصيتها الحقيقية، ثم تنكشف أسرارها أمام الجميع وتتراكم الأحداث الكارثية إلى أن ينفجر الوضع في النهاية.
إنها قصة مثيرة للاهتمام من الناحية السردية، لكن يستعمل المسلسل أسلوباً وحشياً لدرجة أن يُخرِج جميع المخاوف الوجودية الكامنة في نفوس المشاهدين، وهي مسائل يفضّل معظم الناس عدم التطرق إليها. ينطبق ذلك في هذا العصر على جميع الناشطين في قطاعات الابتكار. وعند مراجعة الأسباب التي تطرحها نقابة الكتّاب الأميركية لإطلاق تحذيراتها مما يحصل، يسهل أن نلاحظ نقاط التشابه المتزايدة بين رؤية كاتب المسلسل تشارلي بروكر وأحداث الواقع.
تشمل الحلقة الثانية Loch Henry مواضيع على صلة بالماضي، فتعرض أجواءً مرعبة ونموذجية وتستغل مخاوف قديمة عن المواقف التي نعجز فيها عن معرفة الآخرين، أو احتمال أن يختبئ الوحوش رغم ظهورهم على مرأى من الجميع. أما الحلقة الثالثة Beyond the Sea (ما وراء البحر)، فتدور أحداثها على كوكب الأرض وفي الفضاء، وهي تضفي طابعاً تكنولوجياً على قصة مألوفة حول مصادر الإغراء الزوجي لكنها لا تخلو من الجوانب المتوقعة. قد لا يحبذ الكثيرون الحلول المطروحة أو تركيز صانعي العمل على معاناة الزوج الناجي، بدل تسليط الضوء على ضحايا حدث وحشي قد يشكّل دراسة أكاديمية لعنف الرجال وكان ليبدو أكثر تماشياً مع هذا العصر لو جرى التشكيك بهذه السلوكيات بدل تقبّلها بكل بساطة.
تستكشف الحلقة ما قبل الأخيرة موضوعاً متكرراً في هذا المسلسل: كيف يمكن الاستفادة من المشاهير وميول البشر لتدمير ما يحبونه، أو ما يفضلونه ويكرهونه على الأقل؟ في مطلق الأحوال، تعجّ هذه الحلقة بمصوّري الباباراتزي المسعورين. يلقى بعضهم العقاب الذي يستحقه، بينما يجني البعض الآخر ثروات طائلة. في الحلقة الأخيرة Demon 79 (الشيطان 79)، يُطلَب من مساعِدة خانعة في متجر أن ترتكب جرائم مريعة لمنع وقوع كارثة كبرى. بغض النظر عن طريقة تنفيذ هذه الفكرة، غالباً ما تثير هذه الأحداث الرعب في نفوس المشاهدين أثناء عرضها ويستمر هذا الأثر المزعج لمدة طويلة بعد إنهاء المشاهدة.
بشكل عام، تُعتبر الحلقات الجديدة ممتعة ومتقنة. لكن يصعب أن تبقى خالدة في ذاكرة المشاهدين بقدر حلقات من المواسم السابقة، أبرزها Hated in the Nation (مكروه في البلد)، أو Be Right Back (سنعود بعد قليل)، أو San Junipero. لا يعني ذلك أن الحلقات الجديدة ليست ترفيهية أو عميقة بالقدر نفسه، أو أنها تفتقر إلى أداء تمثيلي مدهش من أسماء كبيرة مثل سلمى حايك، وآني ميرفي، وجوش هارتنيت، وبابا إيسيدو، وجون هانا، وآرون بول، وكيت مارا، وروب ديلاني، بالإضافة إلى وجوه أقل شهرة.
لكن يخلو العمل من أي عنصر مميز أو مختلف، فلا شيء يستطيع زعزعة المشاهدين، أو طرح رؤية جديدة عن احتمال مريع وغير مألوف، أو دفع الناس إلى محاولة تصحيح بوصلتهم الأخلاقية الداخلية أو استيعاب حقائق لم تعد موجودة. لكن إذا كنت تبحث عن جرعة جديدة من الكآبة المفرطة ونسخة هوسية من الواقع، يشمل العمل ما يكفي من الأحداث الصاخبة لإرضاء محبّي هذه القصص.