في بلدة أفقا الجبيلية، وقع أمس، إشكال مسلّح إثر خلاف عائلي بين مجموعتين من آل زعيتر. هذه الحوادث المتنقّلة والمتفلّتة في بعض المناطق، أضحت «خبراً عاديّاً» في يوميات اللبنانيين والرأي العام، لكنها تعكس في خطورتها، مدى خيبة الدولة في القضاء على حاملي السّلاح ومطلقي النار في الأفراح والأتراح، أو في حلّ خلافاتهم ومشاكلهم الشخصيّة. سلاحٌ يُهشّم هيكل الدولة ويعرّيها من هيبتها، قبل أن يصيب أرواح المواطنين ويُهدّد حياتهم. رغم جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية والفاعليات المحليّة في ردع هكذا حوادث، تكمن العقدة الأساسية، في أنّ «بيت النار» راسخ في عقول هؤلاء (منعاً للتعميم) قبل البندقية.
الصراعات المسلّحة في أفقا وغيرها من المناطق ليست جديدة. لكنها تأتي في مواقيت تُشكّل «تنفيسة» صيفية، اقتصاديّاً ومعنويّاً للمواطنين في موسم سياحيّ يرتكز على أبجدية الأمن والأمان. في مواطئ الفينيقيين، حيث تقع مغارة أفقا وهي أحد أبرز معالمهم التاريخية والأثريّة، وتشتهر بشلّالها المتفجّر بقوّة الطبيعة والحياة، خصوصاً خلال الربيع، وتُشكّل المنبع الرئيسي لنهر ابراهيم (الراهب)، الذي كان يُطلق عليه سابقاً «نهر أدونيس» نسبة إلى الميثولوجيا الفينيقيّة. في هذه الأرض التي تحمل إرثاً أسطورياً، تتوالى الإشكالات والخلافات المسلّحة بين بعض أبنائها من جهة، والإعتداء على السياح من جهة أخرى. آخرها كان الأسبوع الفائت، في «بركة أدونيس»، حيث قام مسلّحون بمصادرة هواتفهم، وانهالوا عليهم بالضرب، ما اضطر البعض منهم الى دخول المستشفى للمعالجة. هذه الجريمة دفعت بلدية أفقا إلى مطالبة القضاء والجهات المختصّة «باتّخاذ أقسى الإجراءات اللّازمة لردع المعتدين ومعاقبتهم».
إزاء هذا التفلّت، شدّد عضو «تكتلّ الجمهورية القويّة» النائب زياد حوّاط على ضرورة وضع حدّ نهائيّ لهذه الحوادث. وقال في حديث لـ»نداء الوطن» إننا لن نسمح أن تتحوّل منطقة جبيل الغنية بمعالمها السياحية والثقافية إلى محميّات وبؤر للعصابات الخارجة عن منطق الدولة». وطالب الحوّاط الجيش اللبناني والقوى الأمنية، بالتدخّل السريع لتوقيف المتورّطين، وملاحقة المطلوبين بمذكّرات عدّة، وإقامة حواجز عسكرية ونقاط ثابتة عند مداخل البلدة.
من جهتها، أعلنت «جمعية الأرض» - لبنان في بيان، أن «جهودها أدت بالتنسيق مع بلدية أفقا، إلى إصدار وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي، قراراً بتكليف القوى الأمنية بإزالة التعدي على نبع أفقا وحرمه الأثري».
مساعي السلطة المحليّة، تُعرقلها مشاعر القوّة والإستخفاف بمنطق الدولة وعدم إدراك أهميّة وجاذبية هذا المعلم ومكانته التاريخيّة. فمافيا الخوّات ناشطة «سياحيّاً». إذ حصلت حوادث مماثلة سابقاً. على سبيل المثال لا الحصر، أوقفت دورية تابعة لمخابرات الجيش اللبناني في آب 2022، مجموعة من المطلوبين بموجب مذكّرات توقيف قضائية لارتكابهم جرائم: تأليف عصابة تقوم بفرض الخوات في المنطقة المذكورة، واعتراض سيّاح وإهانتهم والتعدّي على دورية أمنية وإطلاق النار باتجاه عناصرها وتكرّرت الجرائم والدوافع في السنوات الفائتة. فهل يستطيع «أدونيس» الدولة طرد المافيات والمعتدين من مغارته؟