ماوتسي تونغ أثبت بالقول والممارسة صحة نظريته المستمدة من تجارب التاريخ: «السلطة تنبع من فوهة البندقية». ولا يبدل في الأمر قول الجالس اليوم على كرسي ماو الرئيس شي جينبينغ في المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني الذي بنى دولة عظمى «أن الحزب يسيطر على البندقية». لكن «حزب الله» الذي مارس تجربة ماو والتكتيكات الإيرانية في المقاومة والحرب الشعبية ثم هيمن على السلطة يحاول إقناع اللبنانيين بأن صاحب السلاح يعف عن السلطة، ويكتفي منها بما يخدم السلاح. فالسيد حسن نصرالله يعلن في الذكرى السابعة عشرة لحرب تموز و»النصر الالهي» أن «سلاح المقاومة هو لحماية لبنان والشعب اللبناني وليس لفرض خيارات على اللبنانيين». ويقول إن «حزب الله» «لا يريد تغيير إتفاق الطائف ولا يبحث عن المثالثة بدل المناصفة» في السلطة.
ومن الصعب إقناع اللبنانيين بأمرين:
أولهما أن الدور الإقليمي الذي يلعبه «حزب الله» في حرب سوريا وحرب اليمن وأزمة العراق هو لحماية لبنان، وليس ضمن المشروع الإقليمي الإيراني. وثانيهما أن تكريس لبنان جبهة أمامية في استراتيجية «وحدة الساحات في محور المقاومة» هو فقط لمواجهة اي عدوان اسرائيلي على الوطن الصغير وليس ايضاً للدفاع عن الجمهورية الإسلامية في ايران ضد أي خصم أو عدو.
لكن من السهل تسويق موقف اللارغبة في تغيير الطائف. فلا حاجة ملحة الى تغيير طائف مجمد في ثلاجة ودستور معلق ولعبة ديمقراطية معطلة بقوة السلاح والعدد، لأن مفاعيل التعطيل أخطر على لبنان والنظام وإنتظام المؤسسات من اي تغيير في الطائف. ولا شيء يخسره «حزب الله» في استعادة تعبير كان يستخدمه مرجع شيعي في بدايات تجربته، وهو: «لماذا نستعجل الآتي؟». أليس ما يركز عليه في خياره الرئاسي، من بين كل العوامل المطلوبة في الرئاسة لبدء العمل الجدي لإخراج لبنان من هاوية الأزمات والبلاوي العميقة المصنوعة على يد المافيا السياسية والمالية والميليشيوية الحاكمة، هو عامل وحيد اسمه «عدم طعن المقاومة الإسلامية في الظهر»؟
ذلك اننا عملياً في بلد بالوكالة. لا فقط لجهة الشواغر الإدارية المهمة التي تدار حالياً وستدار بالوكالة، بل ايضاً لجهة الشواغر الوطنية والسياسية الأساسية. رئاسة تدار بالوكالة عبر حكومة تصريف أعمال. جمهورية تدار بالوكالة عبر «الثنائي الشيعي» الذي يوافق او لا يوافق على جدول الأعمال في جلسة لمجلس وزراء تتجاوز تصريف الأعمال. بلد يدار بالوكالة عن نظام لم يولد بعد ولا شيء يؤكد انه سيولد، سواء ضمن او خارج نظام إقليمي ايراني. تركيبة سياسية تتصرف كأنها وكيلة لدول خارجية مطلوب منها ان تحسم أمر الشغور الرئاسي. شعب منهوب ومنكوب لا يثور ضد السارقين كأنه شعب بالوكالة عن صاحب آخر للبلد. حتى الحروب، فإنها حروب بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية.
في فرنسا تعبير في العزاء هو: «نحن لسنا من هنا». فهل هذه حالنا في لبنان الذي كان «سويسرا الشرق» فصار بلداً بالوكالة؟