يعاني العقل السياسي اللبناني من الجمود والعجز. وفيما لا يُخفى أنه انتظاري وقدري، يروّج لليأس والإحباط، وحتى للإخفاق والفشل. ويسمّي ذلك واقعيّة.
يُغذّي التخبطُ والمأساةُ المتجددان اللذان يعيشهما البلد ذلك. لكن الأمر لم يعد ردّة فعل. لم يعد الجمود والعجز ضمن دائرة الخطابات السياسية. يبدو أنّهما باتا يتحكّمان في آلية اشتغال العقل السياسي.
لقد بات هذا العقل لا يبتكر، ويَحول دون الجديد. بات، ومعه اللبنانيون واللبنانيات، ضمن الصندوق المقفل. وأيُّ تفكيرٍ خارج الصندوق يُعتبر، في معايير العقل السياسي ومنها المنفعة، غير واقعي ومثالي وهرطقة ولا مكان له.
منذ زمن، وقع هذا العقل أسير الثنائية الضدية. يسارع إلى إقامة مقابل كل شيء ضدّه. الكيانية اللبنانية مقابلها، ضدها، القوميتان العربية والسورية. الطائفية مقابلها، ضدّها، العلمانية أو إلغاء الطائفية. الوطنية مقابلها، ضدها، الطائفية. كل شيء، كل أمر، كل اقتراح... مقابله ما هو ضدّه. لا حلول وسط، ولا إمكانية للابتكار، إلا متى كانت مصلحة القوى السياسية ومتى أُشير إليها بذلك. إلى حد يغدو معه السؤال مشروعاً عما إذا كان قمع الابتكار من ضمن وظائف العقل السياسي ومهمّاته.
الأمر واردٌ!
فهذه القوى السياسية، كلّها، لديها خطابات وأغانٍ عن لبنان ومن أجله. إلا أنها تضع هذا «التراث» جانباً وتمارس ما هو ضدّه. تقول إنّها وطنية وديمقراطية ومدنية وحتّى علمانية، لكنّها تمارس «الواقعية». وتبرّر ذلك، كلٌّ على حدة ومعاً، بأن «الآخرين» يمنعونها من تطبيق خطاباتها ودعواتها ومطالبها. وأكثر من ذلك، تشترط لأن تكون هي «وطنية» وليست طائفية بأن يكون الآخرون مثلها. كذلك تشترط للخروج من الواقع الحالي، سواء أكان الحديث عن الأزمة أم عن الطائفية مثلاً، بالتوجّه إلى ما تقترحه: العلمانية أو إلغاء الطائفية السياسية. وهي إذ تقول ذلك تحت حجّة توافق الجميع، تراها تكرّس الواقع وتجدّده. فالقوى الطائفية الإسلامية تعرف أنّ إلغاء الطائفية السياسية يستفز نظيرتها المسيحية. والقوى المسيحية تدرك أن العلمانية تستنفر نظيرتها الإسلامية. وهكذا، تقيم تلك القوى، معاً، حفلة زجل، يعرف كل فريق ردَّ الآخر، وتنتهي بمشهد فولكلوري، سواء أكان عناقاً وتقبيلاً للحى أم إطلاق رصاص. وبات لا فرق بين النهايتين.
لا يتجلّى جمود العقل السياسي اللبناني وعجزه هنا. الثنائية الضدّية تحكم معظم التفكير في شأن النظام والطائفية، وغير ذلك، حتّى في مساحات خارج قوى السلطة وخطاباتها. أسسُ التفكير في معظم تلك المساحات ما زالت، في الغالب، تقوم على الخطابات الضديّة السابقة وشعاراتها. ما زلنا نسمع خطابات السبعينات من القرن العشرين، التي سبقت الحرب وفتحت الطريق إليها ولها وربّما غذّت نيرانها. والغريب أن ذلك يصدر من أشخاص وكيانات سياسية باتت تنتقد الحرب. وكأن المراجعة اقتصرت على القتال والعنف ونتائجهما من دون الاقتراب من الخطابات وآليات اشتغال العقل السياسي.
وهذا من صميم الجمود والعجز. وهو ما يجب البدء بمعالجته. لا بد من التحرّر من الثنائية الضدّية وخطاباتها والخروج من الصندوق. وإلا ستبقى قوى السلطة تمارس عكس ما تغنّيه، وما أنشده مؤسّسوها، وستبقى المساحات «المعارضة» تكرر الخطابات القديمة، وترضى بأنها في صندوق معارض، وتستغرب أنه يضيق وأن صوتها لا يُسمع.