حسان الزين

كمال ديب: بناء الدولة توقّف في 1966 ولبنان المسيحي سقط عام 1976

15 دقيقة للقراءة
ديب: على رغم المآسي استمرت الروح المدنيّة لدى اللبنانيين
كمال ديب باحث من نوع خاص. فهو يقارب موضوعاته، ومنها تاريخ لبنان وإقتصاده ومجتمعه ودولته وسياسته وقواها، بعدّة ومنهجية وضوابط أخلاقية نشأ عليها في كندا. ويمنحه ذلك ميزة علميّة تتجدّد مع أعماله الغزيرة وآخرها «عهود رئاسيّة: أزمات وحقائق من شارل دبّاس إلى ميشال عون» (دار النهار للنشر). ولا تقتصر إفادة ديب من تجربته الكندية الطويلة على البحث والتحليل والتأريخ، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم رأي يلقى صدى في شأن مستقبل لبنان وأي دولة «يحتاج». ولديب أعمال بحثية عدة عن العراق وسوريا وكندا وألمانيا، إضافة إلى ثلاث روايات.




فلنبدأ من سؤال مؤلّف «عهود رئاسيّة: أزمات وحقائق من شارل دبّاس إلى ميشال عون»، ماذا تنتظر من الرئيس المقبل؟

ما أنتظره من الرئيس المقبل، أو من أي رئيس، هو أن يكون الملك - الفيلسوف، وأن يساهم ببناء دولة علمانية مدنية في لبنان. وعلى رغم إدراكي أهمية استحقاق انتخاب رئيس، لأنّ الانتخاب يسهم في استقرار لبنان اقتصادياً وسياسياً، فأنا لا أشارك في الهمروجة الإعلامية بشأن انتخاب رئيس، لأن قناعتي أنّ أي مرشح سيكون ضمن الاصطفاف الطائفي وضمن المنظومة الحاكمة. وهذا الاصطفاف مستمر منذ انتخابات 1968 النيابية. نظرتي تذهب نحو لعنِ تركيبة النظام السياسي الطائفي العفن وما ينضح منه من مناصب وقرارات. فسيّان عندي مَن هو رئيس الجمهورية في ظل الفساد والمحاصصة والسحق المنظّم لحقوق الشعب.




تقرأ مسار الدولة اللبنانية من خلال الرؤساء، متى بدأ مشروع بناء الدولة وكيف سار وما الصعوبات التي واجهته؟

بناء الدولة اللبنانية بدأ مع موافقة عصبة الأمم على بنود الإنتداب الفرنسي التي منحت فرنسا سلطة تكوين دول في الأراضي التي تحتلّها. ولبنان دولة فتية بدأ بناؤها عام 1926، أي مع ولادة دستور جديد وانتخاب رئيس الجمهورية شارل دباس وحكومة وبرلمان من غرفتين. وبناء الدولة جرى في عهود الرؤساء دباس وإميل إدّه وبشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب ونصف عهد شارل حلو. أي من 1926 إلى 1966. واستمر بناء هذه الدولة إلى أن توقّفت العملية عام 1966، أي أثناء عهد الرئيس حلو عندما انهار بنك «إنترا» ووقعت أزمة القطاع المصرفي. وأوضح أنّ بناء الدولة ليس عملاً مجازياً طوباوياً، بل عملية أخلاقية شاقة يتشارك فيها الإنفاق العام وفريق من رجال ونساء نذروا أنفسهم لخدمة الشعب: هناك البنية التحتية الأساسية من شبكات طرق وكهرباء وماء ومرافق عامة وخدمات صحية واجتماعية وتربوية، ومدارس ومعاهد وجامعات. وهناك عملية بناء الهوية الجامعة والمواطنية الصحيحة في دولة مدنية. يعني ذلك أنّ بناء الدولة ليس توافقَ الاقطاع السياسي على تقاسم لقمة الشعب ويسمون ذلك دولة. أما تعثر هذه العملية فقد بدأ فعلياً مع انتصار الطبقة الفاسدة على الرئيس شهاب وعودتها بقوة في انتخابات 1968 في عهد حلو. أضيف إلى ذلك إهمال الدولة مناطق الأطراف، وهو ما حذّرَت من مغبّته تقاريرُ بعثة «إيرفد» عام 1962. فلا الدولة اللبنانية اكترثت لحماية جنوب لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية ولا هي اهتمت بتنمية عكار والبقاع. فنمت أحزاب يسارية احتجاجية وتحالفت مع المقاومة الفلسطينية الصاعدة. وهذا الوضع الشائك أشعل الحرب عام 1975.




تعتبر أن مناطق الأطراف في لبنان هي معيار نجاح الرؤساء أو إخفاقهم، لماذا اخترت هذا النهج الجديد والانقلابي على التأريخ التقليدي، وما هي إستنتاجاتك مع الرؤساء والمناطق؟

نعم، لقد كان خطأ بل خطيئة جعل جبل لبنان أو المتصرفية أساس دولة لبنان الكبير. فالتسويات الطائفية التي رافقت الولادة أهملت واقع أنّ لبنان عام 1920 أصبح كبيراً ضمّ مناطق الشمال والبقاع والجنوب، وأنّه يجب هضم هذه المناطق تنموياً ومواطنياً. ولقد اعترف بهذه الثغرة وحاول معالجتها الرئيس الخوري عام 1943 عندما خصّص الأشهر الأولى من عهده لزيارة المناطق المضمومة لكي يشعر أبناؤها أنّهم جزء من الجمهورية اللبنانية. وتعاطف مع تلك المناطق الرئيس شهاب، سواء عندما كان قائد الجيش في عهد شمعون وتركيزه على تنمية بعلبك والهرمل، أم بتمويله بعثة «إيرفد» الفرنسية التي ركزت على تنمية المناطق المضمومة. عدا ذلك، فمعظم الرؤساء لم يكترثوا لتلك المناطق ولم يعرفوها أو يزوروها قط، بمن فيهم آخر رئيس. وما زاد الطين بلّة أنّ هناك قوى رئيسية في بيروت ومنذ الاستقلال حتى اليوم تتمنى لو لم يكبر لبنان الصغير أو أن يكون لبنان «فيدرالي» أو مقسم، فيُستغنى عن الجنوب ومشاكله وأن يصبح البقاع وعكار ضمن محافظتي ريف دمشق وحمص. ومن البديهي أن مع كل اهتزاز كانت تلك المناطق تخرج عن الدولة فيدخل الجيش الإسرائيلي الجنوب ويدخل الجيش السوري البقاع وعكار.



رفيق الحريري



نقرأ في كتابك «هذا الجسر العتيق» تاريخ لبنان المسيحي (من 1920 حتى 2020)، متى سقط هذا اللبنان خلال القرن الذي تؤرّخه، ولماذا، وماذا بعد؟

أولاً يجب تحديد مفهوم «لبنان المسيحي» في هذا الكتاب. فلو لم تكن اليد العليا في بناء لبنان، ثقافة واقتصاداً وسياسة، مسيحية لما وجد سبب قيامه في نظر الانتداب الفرنسي كدولة منفصلة عن سوريا عام 1920، أسوة بدول أخرى حاولت فرنسا إقامتها في بلاد الشام (دولة علوية ودولة درزية ودولة سنية في دمشق ودولة سنية في حلب). وهذه الأيدي المسيحية في لبنان كانت مخلصة في سعيها إلى مشاركة المسلمين في الحكم وفي الاقتصاد وبناء وطن بتوجّه غربي ثقافة وروحاً. إلا أنّ فئة فاسدة من مسيحيين ومسلمين كانت عثرة بوجه الاجتماع المدني، فولد نظام هجين: هو شريك منافق لرجعية عربية تقليدية، يدّعي الحياد في صراعات المنطقة، إلى أنّ انفجرت بوجهه أزمة مزدوجة: أجيال من اللبنانيين- مسيحيين ومسلمين- منضوين في أحزاب يسارية، ومقاومة فلسطينية على أراضيه. فكان الانهيار منذ 1966 ثم الحرب عام 1975. إلى أن سقط لبنان المسيحي عام 1976 بعدما انفرط الجيش اللبناني وغادر رئيس الجمهورية سليمان فرنجية القصر الجمهوري في بعبدا ولجأ إلى قرية الكفور في كسروان. واستغرق الأمر 15 سنة من الحرب إلى أن وُلدت دولة لبنان المسلم بموجب دستور الطائف. وهكذا أصبحت اليد العليا للمسلمين منذ 1990 إلى ثورة 17 تشرين الأول 2019. وهذا يعني أنّه بعد قرن من ولادة دولة لبنان (1920 - 2020) نتأكد أن لا استمرارية للكيان بدولة محاصصة طائفية بل بقيام دولة مدنية.




كيف تصف لبنان الآن؟

هناك مظاهر حسنة في لبنان اليوم، وأولها استمرار الروح المدنية في شعبه على رغم المآسي؛ وثانيها غياب التقاتل الداخلي على رغم أنّ جهات كثيرة خارجية حاولت وتحاول إشعال التقاتل؛ وثالثها أنّ أجهزة الدولة اللبنانية ما زالت قائمة من مجلس النواب إلى مجلس الوزراء والإدارة العامة والجيش والأجهزة الأمنية. نعم، هناك صعوبات اقتصادية تدفع البعض إلى اليأس والمطالبة بالاستسلام والفدرلة والتقسيم، ولكن مقومات لبنان لا تزال ممتازة: من أصول الدولة (قيمتها 120 مليار دولار) إلى شعب متعلم ومثقف، ومن تحويلات المغتربين والعمالة اللبنانية في الخارج إلى بنية تحتية سياحية وزراعية وصناعية ولو أن تلك البنية ليست في وضع جيد وتحتاج إلى استثمارات ورفع الحصار. هي مرحلة صعبة وتمضي. تعلّم اللبنانيون عدم تكرار حرب 1975 وعليهم أن يتعلموا اليوم حل الدولة المدنية.




هل تعتبر لبنان وطناً وشعبه واحداً، كيف تقارب هذا الموضوع؟



أكيد. لبنان هو وطن وشعبه واحد، بتاريخ مشترك وحياة اجتماعية اقتصادية واحدة، ولغة وثقافة عربيتين، ويشبه في تنوعه المذهبي والعرقي سوريا والعراق ومصر. ولا أوافق من يقول أن لبنان طائفي «طول عمره هيك». ولقد أثبت الشعب اللبناني خلال عشر سنوات في الستينات استعداده للتوجه نحو المجتمع المدني والدولة المدنية، فهو ليس متحجراً مثل صخرة الروشة، وسيتغيّر مثل كل شعوب العالم.




أنت باحث تؤكد أنك موضوعي، وعلى رغم ذلك لك موقف في شأن النظام والدولة في لبنان، كيف توفّق بين هذين الأمرين؟

تدريبي الأكاديمي لأكثر من 17 سنة في المدار الكندي وجامعاته جعلني أقدّم في كل كتاب أو مقالة أو بحث المعطيات والنقاشات والسرد التاريخي عبر مصادر موثوقة ومحترمة ومقابلات وجولات ميدانية. من هنا تكون الموضوعية. ولكن لدي أيضاً ضوابط علي الالتزام بها وهي مناهضة العنصرية وكل ما يترتب عليها من طائفية وعرقية.



عهود رئاسية




ماذا تعلمت أيضاً من تجربتك الكندية وتستثمره في نظرتك إلى لبنان، ويمكن الإفادة منه؟

الحلّ الذي أرتضيه للبنان قائم على تجربتي الكندية. والنظام الأفضل للبنان المختلط هو دولة الرعاية المدنية. وتعريفي للدولة المدنية مقتبس من التجربة الكندية الناجحة: هنا يعيش 365 فئة دينية وإثنية في بلد من 40 مليون شخص تقريباً. ونجحت كندا في تحقيق الدولة المدنية عبر احتكار الدولة الخدمات العامة من طبابة وتربية وتعليم وطرق وأمن وتشريعات مدنية وأحوال شخصية مدنية. فيشعر المواطنون والمواطنات كافة بأنّ ثمة دولة ترعاهم وتخدمهم. لذلك بادلوها الحب والوفاء وأخلصوا لها كدولة مدنية ممتازة.

وسبب تفكك الدولة وانهيارها في لبنان اليوم هو نظام المحاصصة الطائفية الذي أجادته وحوش قوى الأمر الواقع، التي تُجبر المواطن على الكلام المتواصل عن مكونات طائفية. فالدولة اللبنانية لم تعد تحتكر الخدمات العامة، بل ثمّة تقسيم فعلي على الأرض، حيث تحتكر العصابات الطائفية الخدمات الأساسية من كهرباء وماء ومحروقات وغذاء ودواء وتربية وتعليم وإعلام. لا بد للدولة من احتكار الطاقة الكهربائية واستعادتها من أيدي مصاصي الدماء وأثرياء الحرب المدعومين من ميليشيات الأمر الواقع، في كل حي وشارع وفي كل بلدة وقرية. ومتى استطاعت شركة كهرباء لبنان ضبط أمورها وأعادت الطاقة للناس ولو بشكل جزئي لأحب الناس الدولة وتركوا الزعيم ورفسوا الموتورات وأصحابها. ولا بد للدولة من دعم أجهزة الإعلام التي تخصّها لتكون الصوت الأعلى من الإعلام الطائفي التحريضي. وأعني هنا تقوية بث «تلفزيون لبنان» والإذاعة الرسمية و»الوكالة الوطنية للإعلام»، بالتأهيل ورفع الرواتب وتجديد البرمجة وتوجيهها نحو التربية الوطنية ونبذ التفرقة وبث الروح الوطنية الجامعة. وأن تحتكر الدولة تجارة الدواء وتوزيعه وتعتمد بطاقة صحية رسمية لكل المواطنين. وكذلك أن تهتم بالمستشفيات الرسمية فلا تحتكر قوى المحاصصة الطائفية المستوصفات والمستشفيات ولا يحتكر كبار التجار الأدوية.

إضافة إلى هذا، تعزيز استقلالية القضاء من التدخل السياسي الذميم. ولا ننسى القول الأثير المشهور «إنّ في مصر قُضاة»، دلالة على أهمية القضاء. ومع القضاء، نذكر قيمة المحامي والمحامية في لبنان الذين درسوا الـcode civil. ما يعني أنّ مهنة المحامي هي مدنية بامتياز. ونضال المحامي اللبناني يجب أن يستمر لتحقيق مدنية الأحوال الشخصية التي يجب ألا يقبل أي محامٍ أن تبقى رهينة المحاكم الروحية والشرعية إلى الأبد. وليتذكر المحامي اليوم أنّ الجيل السابق من المحامين لطالما ناضل وأضرب من أجل توحيد الأحوال الشخصية (État Civil) في لبنان عامي 1951 و1971.



تدق ناقوس الخطر خوفاً على وحدة لبنان، السؤال أليس الآن مقسّماً؟

الإنقسام هو وهمي عاطفي ينطلق من مشاعر طائفية ولكن سببه الأساسي اقتصادي. وعندما يرتاح الاقتصاد يختفي الشعور الطائفي. وأي دعوة فيدرالية أو تقسيمية تنطلق من فكرة طائفية هي باطلة. الطائفية مرض مستعصٍ يجب التخلّص منه نحو الدولة المدنية. أمّا الطوائف فهي ثروة للبنان ولأي بلد مشابه، في العادات والتقاليد والمطبخ والطقوس والشعائر. ولأن الطائفية شأن نفسي، فالسقوط فيه هو شأن عاطفي ممنوع على الكاتب والمؤرخ الأكاديمي ويدخل في نطاق العنصرية بتركيز سطحي يجعل الطوائف هي محرّك المجتمع والتاريخ. وهذا التركيز بات موضة منذ أواسط الثمانينات، بل هو نيّة خبيثة لإظهار هشاشة المجتمع اللبناني حول هوة مزعومة بين مسلمين ومسيحيين أو بين سنة وشيعة بهدف الوصول إلى السلطة أو لغايات إقليمية. وفي المقياس نفسه لا يجوز اعتماد التحليل الطائفي لوصف تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكأنّ الطوائف هي أشخاص يتصارعون ليصبح هذا أغنى من ذاك وأقوى.

الأفضل هو الحدود الطبقية الاجتماعية الاقتصادية التي لا تُهمل الطوائف والمناطق الجغرافية والأعراق المختلفة. وهذا التحليل الذي برز فيه الاستاذ حنا بطاطو (أكاديمي فلسطيني في الجامعة الأميركية في بيروت) ينطبق على سوريا والعراق ومصر أيضاً ولا يقتصر على لبنان. ثم إنّ الطوائف سبقت الدولة الحديثة التي تطلّبت مواطنية واحدة وهوية واحدة. ولكن أسبقية الطوائف لا يمنحها وعياً ذاتياً ومحرّك دينامو. بل هي تتحرّك ضمن شبكة مصالح اقتصادية وسياسية عندما تفشل الدولة في تحقيق المساواة الاجتماعية. والتنوّع الديني هو جزء من هذه البلاد ولا يمنع ولادة المواطنية العصرية. وهي تتحرّك في حال شعر المواطن أنّه يتعرّض لاضطهاد ونقص في تلقي الخدمات من الدولة بسبب مذهبه أو ديانته. أمّا إذا وفّرت الدولة الرعاية بشكل عادل فيتراجع الشعور الطائفي ويصعد الشعور المواطني.

وهنا، لا بد من فتح مروحة واسعة نبدأها بما ذكره لي سيدنا المطران جورج خضر أنّ الذي يمشي من وادي خالد في عكار إلى سهل حمص ويظن أنّه انتقل إلى بلد آخر لا يعرف شيئاً من التاريخ. وهذا يعني أنّ الاعتراف بأنّ التاريخ العريق الذي يعود إلى آلاف السنين ينطبق على سائر دول المنطقة. نعم لبنان بلد مستقل وسيّد وهوية شعبه لبنانية وولاء شعبه للدولة اللبنانية. وسوريا بلد مستقل وسيّد وهوية شعبها سورية وولاؤه للدولة السورية. وهذا لا يمنع قيام دولة الرعاية المدنية في كلّ منهما بدون الحاجة إلى سايكس بيكو جديد وتقسيم ثانٍ. بل أدعو إلى اتحاد اقتصادي إقليمي للدول الناطقة بالعربية يسمح بعملة عربية مشتركة وسوق لتبادل البضائع.




ديب مع جورج قرم



من المسؤول عن الأزمة التي يمر بها لبنان؟

لقد فهِمت النخبة العلاقة بين الطوائف السابقة للدولة وبين المواطنية وأدركت أنّ لا دور لها إذا سيطرت دولة الرعاية المدنية على المجتمع. فظهر في كل طائفة- وخصوصاً الموارنة والسنة والشيعة والدروز- حلف بثلاثة أضلاع: أصحاب الأعمال (حيتان المال) والزعماء (أمراء الحرب) وكبار رجال الدين، وشرع كل حلف ببناء «جماعة» منفصلة عن الدولة المدنية في مشروع مؤذٍ يسمّيه المفكر الكندي شارل تايلور Edification ويسمونه في فرنسا Communautairisme. والكتل الطائفية يتزعمها الثلاثي هي مسؤولة عن الأزمة المزمنة.

أنا لا أميز بين أصحاب المصارف وبين الزعماء. لقد بدأت في أوائل التسعينات وأنا على مقاعد الدراسة كتابة مؤلفي «أمراء الحرب وتجار الهكيل» بالانكليزية ونشر في لندن عام 2004. وفيه أشرح التعاون والتحالف المتين بين حيتان المال وأمراء الحرب والإقطاعين السياسي والديني. وهذا لا يعفي المودعين الذين طمعوا بالفوائد العالية واستفادوا منها في بحبوحة زائفة استمرت من 1997 إلى 2019. هي دولة إهدار وفساد وسرقة المال العام وإن المودعين شاركوا واستفادوا. ويجب إعادة هيكلة القطاع المصرفي كما حصل عام 1968 وكما فعل إدمون نعيم عام 1988.




هكذا تعلّمت اللغة العربية ولهذا أكتب الرواية

يؤكد الباحث كمال ديب أنّ «هويتي مركبة، لبنانية - كندية، ولستُ لبنانياً مقيماً في كندا وكأني زائر». ويقول إنّ «معظم سنوات حياتي وثقافتي وتعليمي وعملي في كندا وليس في لبنان. ولغتي العربية كانت ركيكة وضعيفة فقوّيتها بنفسي واشتريت في بيروت كتب قواعد اللغة العربية لرشيد الشرتوني وكتب إملاء وشروط الكتابة. ثم أخذت أطالع الكتب والمقالات بالعربية طيلة 25 سنة. مع ذلك ما زلتُ أشعر بأنّ كتابتي العربية متواضعة».

ويلفت إلى أن «البيئة الكندية، وليس بعد المسافة، هي التي وفّرت لي ما أحتاج إليه من عناصر الكتابة، وهي تحصيلي العلمي والأكاديمي. وأعتقد أنّ حياتي الكندية طبعت أعمالي بما هي عليه ولو كنتُ أعيش في لبنان أو في دولة عربية لربما اخترتُ ألا أكتب».

ورداً على سؤال لماذا يكتب الرواية، خصوصاً أن كتاباته الأدبية ليست بعيدة من التأريخ، يجيب: «في الرواية تجري عملية تأليف وإبداع، بينما كتابة التاريخ والاقتصاد والسياسة هي نتيجة أبحاث واستنتاجات. وعلى سبيل المقارنة، فللصورة الفوتوغرافية أو لوحة الرسم نقول «صورة في ألف كلمة»، وكذلك الرواية تذهب أبعد من الأبحاث والتاريخ لأنّها تنقل المشاعر والأحداث وترسم الأشخاص والمنازل والمجتمعات. والرواية تبقى خالدة بعد قرون مقارنة بالكتب البحثية التي تصدر في الفترة نفسها. خذ مثلاً رواية «الحرب والسلم» للأديب الروسي ليو تولستوي نشرها عام 1869 التي أضاءت على الغزو الفرنسي بقيادة نابليون لروسيا ودخوله موسكو عام 1812، وتروي قصة المجتمع الروسي إبان حملات نابليون على روسيا، ويدمج فيها تولستوي شخصيات تاريخية وخيالية عديدة، عن حياة الترف التي عاشتها طبقة النبلاء في روسيا في العهد القيصري. وكذلك، رواية «البؤساء» لفكتور هوغو، التي نشرها عام 1862 وأرّخت الثورة الفرنسية التي وقعت عام 1789 وما قبلها وما بعدها. وعلى كاتب الرواية أن يمضي زمناً في قراءة الأعمال الكلاسيكية الخالدة قبل شروعه في الكتابة، لما يتطلّب العمل الروائي من جهد ودقّة وإبداع. فمثلاً روايتي «آنغيلا» (دار النهار) شرعت في كتابتها عام 2010 ولم تصدر قبل 2023. وروايتي «مجدلى» (المكتبة الشرقية) بدأتها عام 2004 وصدرت عام 2017. بينما الكتب التاريخية والاقتصادية والسياسية تستغرقني فترة أقل. فكتاب عهود رئاسية (دار النهار) بدأته عام 2017 وصدر عام 2022، وثلاثية «إنترا» (يوسف بيدس وروجيه تمرز ورفيق الحريري) بدأتها عام 2010 وأنجزتها عام 2017 وصدرت تباعاً».