من الممتع دوماً أن نشاهد عملاً سينمائياً عن مناضل بائس يعمل في وظيفة مزعجة ويتقدّم تدريجياً إلى أن يصنع اسمه بنفسه. تتحسّن قيمة العمل حين تدمج القصة بين الفكاهة الذكية والمؤثرات البصرية المبتكرة. تنطبق هذه المواصفات على الدراما الكوميدية الفرنسية الجديدة Gold Brick (القرميد الذهبي)، على شبكة «نتفلكس»، إذ يقدّم صانعو العمل تجربة سينمائية ممتعة عبر عرض قصة شاب مكافح اسمه «دانيال» من بلدة «شارتر» الصغيرة. هو يحمل آمالاً كبرى في الحياة، لكن تُعتبر هذه الطموحات في بلدة «شارتر» مجرّد أوهام بعيدة المنال، إذ يعمل معظم الرجال هناك في مصنع العطور الضخم «برويل أند سانز». لكن يتوق «دانيال» من جهته إلى تجاوز هذا المصنع وإنشاء إمبراطوريته الخاصة. يصطحبنا الفيلم في رحلة بطل القصة ويجمع بين الفكاهة والمؤثرات البصرية المرحة، ما يجعله عملاً يستحقّ المشاهدة.
يقرر «دانيال» فتح مشروعه الجديد مع صديقة الطفولة «سانيا» التي كانت في مراحل معينة بمثابة درع بشري في حياة «دانيال». لكن تصبح مغامرتهما المستقلة قصيرة الأمد حين يتّهمه أفراد عائلة «برويل» باستغلال شركتهم، ما يدفعه إلى الاتكال عليهم اقتصادياً. هذا ما يجعل «دانيال» و»سانيا» يتقبّلان تأثير ذلك المصنع على حياتهما وقدرته على تحديد مصيرهما.
مع ذلك، تستمرّ رغبة «دانيال» في تحقيق نفسه، فيضع خطة ذكية لجني مدخول إضافي. في أحد الأيام، يعلم «دانيال» أثناء عمله في شركة العطور أن صاحب المصنع توفي وترك الشركة لابنه «باتريك». تُوزّع زوجة «باتريك»، «بياتريس»، زجاجات العطر الفاخر «كولين براون» على جميع الموظفين، ومن بينهم «دانيال». لكن بدل استعمال العطر، يبيعه «دانيال» عبر الإنترنت ويكسب 50 يورو فوراً. تنضمّ إليه «سانيا» في هذه الخطة، فيتهرّبان معاً من رقابة الشركة المشدّدة ويسرقان عدداً من زجاجات العطر. هذه الخطة المحفوفة بالمخاطر تمنح «دانيال» و»سانيا» ثروة سريعة.
يبرع الفيلم في الجمع بين عناصر الفكاهة، والسرد الفصيح، والتعليقات الاجتماعية العميقة، ويعرض قصة متعدّدة الأبعاد. في ما يخصّ النواحي الفنية في هذا الفيلم، يستعمل صانعو العمل مقاربة مميزة تنجح في جذب اهتمام المشاهدين سريعاً عبر مؤثراته البصرية المدهشة واهتمامه الفائق بالجوانب الجمالية. هم يجيدون تقديم مشهد بصري متقن، فيستعملون درجات ألوان فنية، وتصاميم دقيقة لمواقع التصوير، وتقنية جميلة في التصوير السينمائي، ما يُسهّل على المشاهدين الغوص في عالم الشخصيات على الشاشة. في غضون ذلك، يقيم الفيلم توازناً مثالياً حين يضفي طابعاً فاخراً على أجواء القصة. ثمة جرعة مناسبة من الإبهار والأناقة، وتسمح هذه العناصر المضافة بتحسين الحبكة العامة واستمالة المشاهدين حتى النهاية.
على صعيد آخر، يبدو أسلوب السرد مرحاً ومثيراً للاهتمام، فهو يستعمل طريقة مبتكرة لعرض القصة ويجذب المشاهدين منذ البداية، فيرفع سقف التوقّعات حول الأحداث اللاحقة. بالإضافة إلى الجوانب التقنية في الفيلم، يبدو الأداء التمثيلي مبهراً أيضاً. يتميّز بطلا العمل، أغاثي روسيل بدور الموظفة الطموحة والواعدة «فرجيني»، ورافاييل كينارد بدور «دانيال» الذي يقدم أداءً لافتاً ويسرق الأضواء من الجميع. يبدو تمثيل كلّ منهما واعداً بما يكفي لدرجة أن يتركا انطباعاً دائماً لدى المشاهدين. لكن يتعثر الفيلم بدرجة معينة لأن صانعي العمل لا يركزون بما يكفي على الكيمياء بينهما في مختلف مراحل القصة. كذلك، تضعف الحبكة بسبب تعقيداتها المفرطة، ما قد يُصعّب على بعض المشاهدين استيعاب مختلف الأحداث التي تقع دفعةً واحدة. نتيجةً لذلك، قد يشعر المشاهدون بالضياع أو يجدون صعوبة في فهم الأفكار المتشابكة لأنها تُعرَض في الوقت نفسه.
أخيراً، يتخبّط الفيلم للأسف على مستوى تطوير الشخصيات، لا سيما «سانيا»، و»فيرجيني»، وحتى «دانيال» بحد ذاته. تبقى الحبكة مثيرة للاهتمام بشكل عام، لكنّ الامتناع عن التعمّق في تلك الشخصيات يمنع المشاهدين من التواصل معها والتفاعل مع التطوّرات التي تعيشها. بعبارة أخرى، يفوّت الفيلم فرصة بناء شخصيات مؤثرة، ما يؤدي إلى إضعاف أثر العمل ككل.
لكن رغم هذه الشوائب، ينجح الفيلم في تسليط الضوء على مسائل اجتماعية مُلحّة ويعرض تعليقات تحثّ الناس على التفكير بمواضيع مهمة، أبرزها البنية القمعية التي تحكم حياتنا اليوم. حتى أنه يتحدّى المشاهدين حين يدفعهم إلى التفكير بضرورة التحرّر من تلك القيود. قد لا يكون الفيلم متكاملاً على جميع المستويات، لكنّ رسالته العامة والمواضيع التي يستكشفها ستترك أثراً حتمياً في نفوس المشاهدين. هذا ما يجعل الفيلم يستحق المشاهدة لكل من يهتم بالنقد الاجتماعي واستكشاف الصراعات بين الطبقات العليا والمتوسطة.