وليد شقير

تفادي شلل الخارجيّة والحبل على الجرّار

4 دقائق للقراءة

كانت وزارة الخارجية على وشك السقوط في ما يشبه الشلل التام، أسوة ببعض مؤسسات الدولة الإدارية والمتخصصة والحيوية، المصابة بالجمود، إما جرّاء الإضرابات المفتوحة أو نتيجة العجز عن تلبية أدنى متطلبات الحضور إلى العمل وأبرزها كلفة النقل، قياساً إلى حجم رواتب القطاع العام نسبة إلى الارتفاع في كلفة المعيشة الذي يتفاقم كل يوم...

المشكلة التي تعانيها الخارجية، هي نفسها التي أوصلت البلد إلى المأزق في ما يخص حاكمية مصرف لبنان والمؤسسات الأمنية والعسكرية جراء امتداد الفراغ الرئاسي وتعذر إجراء التعيينات لملء الفراغات بغياب سلطة تنفيذية كاملة المواصفات الدستورية. وعلى أهمية معالجة الأمر في المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تشكل الركيزة المتبقية للحد الأدنى من الاستقرار، فإن ما أوجب التشكيلات في الخارجية أنها نافذة لبنان على الخارج ولا سيما الدول المعنية بمساعدته والمهتمة بتفادي انهياره الكامل.

هذا ما كان سيؤول إليه وضع الدبلوماسية اللبنانية في الخارج، التي خضعت لتقليص مصاريفها والبدلات المالية والرواتب التي يتقاضاها حتى السفراء الباقون في مواقعهم، بعد تقليص عدد البعثات في بعض الدول. ولكان تواصل لبنان الدبلوماسي الروتيني قد انقطع لو لم تُعالج قضية إرسال هؤلاء الدبلوماسيين إلى سفارات وبعثات مهمة للبلد، ولو لم يتم تدارك الأمر بتشكيلات دبلوماسيي الفئة الثالثة الذين يبلغ عددهم 32 دبلوماسياً، الذين تقرر إيفادهم إلى الخارج، بعد مضي نيف وأربع سنوات على خدمتهم في الوزارة في بيروت، فيما مضت المدة نفسها على خدمة نظرائهم في الخارج.

الدبلوماسيون العاملون في لبنان من هذه الفئة هم 32 من أصل 45 يشكلون الكادر العامل في الإدارة المركزية للوزارة، يكاد راتبهم يساوي أكثر بقليل من الخمسين دولاراً أميركياً. نقص عددهم خلال السنتين الماضيتين لأن زهاء سبعة منهم طلب إجازة مديدة (استيداع). والأرجح من أجل كسب العيش ولو مؤقتاً من مصدر آخر. في الأشهر الماضية كان هؤلاء يتذمرون من أوضاعهم المالية البائسة، بعدما تأجل إيفادهم إلى الخارج منذ السنة الماضية بالتزامن مع تشكيلات دبلوماسية تتناول دبلوماسيي الفئة الأولى، أي السفراء، أحبط الخلاف بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والرئيس السابق العماد ميشال عون ومن ورائه رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، تطبيقها. فدبلوماسيو الفئة الثالثة كانوا سيلحقون بالسفراء الجدد الذين كان سيتم تعيينهم قبل انتهاء عهد الرئيس عون، فتعرضوا للغبن بسبب الخلاف السياسي داخل السلطة التنفيذية على هذه التشكيلات التي وضع مشروعها وزير الخارجية عبدالله بو حبيب. تأجلت التشكيلات في انتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية، الذي كان المعنيون في الخارجية وغيرها، يراهنون على ألا يطول انتظاره، بعد مغادرة العماد عون قصر بعبدا، إلى الحد الذي بلغه الشغور الرئاسي، المرشح لأن يستمر...

قبل أسابيع نفذ الدبلوماسيون في بيروت إضراباً عن العمل أسوة بزملائهم العاملين في الإدارات العامة، لعله يجري الالتفات إلى مشكلتهم. فالمتعارف عليه أن البدل المالي لخدمة الدبلوماسيين في الخارج يعوض لهم ما فقدوه من مداخيل في لبنان، لأنهم يتقاضون الرواتب بالعملة الخضراء، وينتظرون دورهم كي ينتقلوا إلى البعثات الخارجية لهذا الغرض، لكن ربط التشكيلات بالمأزق السياسي الدستوري أزهق حق هؤلاء في تحسين أوضاعهم، بعدما تجاوزوا مدة الخدمة في الإدارة المركزية (4 سنوات)، وتجاوز نظراؤهم في الخارج المدة نفسها لخدمتهم في العواصم العربية والأجنبية. هدد إضراب هؤلاء بشل الوزارة، الذي يؤدي عملياً إلى شبه شلل في العلاقة مع السفارات في الخارج، ما دفع بو حبيب، بعد توقفهم عن الإضراب إثر إبلاغه إياهم أنه لن يتجاوب معهم تحت الضغط، إلى الاتفاق مع ميقاتي على إصدار التشكيلات بنقلهم إلى الخارج، رغم أن الأمر من صلاحياته، ليحلوا مكان 30 دبلوماسياً من الفئة نفسها تقرر استدعاؤهم إلى بيروت. فالقرارات في الوزارات خضعت منذ استقالة الحكومة قبل أكثر من سنة لـ»الموافقة الاستثنائية» من رئيسي الجمهورية والحكومة، لكنها باتت في بعض الأحيان تتم بموافقة الثاني في ظل الفراغ.

إنتقد «التيار الوطني الحر» التشكيلات للحجة نفسها برفض أي قرار في ظل الفراغ في الرئاسة، فيما اعترضت حركة «أمل» على نقل ثلاثة دبلوماسيين من الخارج ولم يؤخذ باعتراضها لأنه سيؤدي إلى غبن في حق ثلاثة يفترض نقلهم إلى الخارج.

ما جرى في الخارجية نموذج عن المعضلات التي تواجه وستواجه المؤسسات في المرحلة المقبلة من الفراغ الطويل. وقد تكون تشكيلات بو حبيب تفادت الشلل التام فيها، لكن الأمر في إدارات أخرى، مالية وعسكرية أشد وطأة وخطورة وضرراً لأن الأمر يمس مواقع في الفئة الأولى... والأعلى منها.