رواد مسلم

التكتيكات الأوكرانية تواجَه بضراوة روسية ذات أضرار عالمية

5 دقائق للقراءة
طبيعة أهداف الردّ الروسي كانت مرفئية وغذائية وأضرارها الجانبية تشمل الأمن الغذائي العالمي (أ ف ب)

تبدّلت التكتيكات الأوكرانية في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد وضوح تعثّر الهجوم المضادّ، فبدأ الجيش الأوكراني بضرب الأهداف الروسية الإستراتيجية في العمق، والتي لها علاقة بالإمدادات اللوجستية، وزيادة العمل الإستخباراتي الدقيق بالإستفادة من صور الأقمار الإصطناعية، لبناء الخطط الناجحة. هذا ما كان واضحاً في عملية استهداف جسر القرم، حيث تمّ إستخدام الخداع العسكري لإشغال الجيش الروسي في جبهة خيرسون حيث دفع الجيش الأوكراني أعداداً كبيرة من العناصر لإجتياز نهر دنيبر، لتمرير الهجوم على جسر القرم في الوقت الذي لم يكن يتوقّعه العدو الروسي.

شكّل استهداف جسر القرم الإستراتيجي ضربة معنوية ورمزية مهمّة للكرملين، الذي أكّد مراراً في السابق أنّ شبه الجزيرة سوف تبقى أرضاً روسية «إلى الأبد»، وفاخر بإنجاز الجسر عام 2018 الذي ربط براً بلدة تامان في جنوب روسيا ببلدة كيرتش في شبه جزيرة القرم، التي ضمّتها موسكو إليها عام 2014، ويمتدّ على مسافة 18 كلم، ويتألف من قسمين أحدهما طرقي والآخر للسكك الحديد، ويعدّ هذا ثاني استهداف للجسر بعدما كانت شاحنة مفخخة انفجرت قبل شهور عليه، وأسفرت عن تعطيل حركة المرور لبعض الوقت، لكن الهجوم الجديد الذي جاء من البحر أسفل الجسر بواسطة زوارق مسيّرة قد أسفر عن أضرار أوسع.

أتى استهداف جسر القرم فجر الإثنين، قبل ساعات من إعلان الكرملين رفضه تمديد العمل باتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية، الحيوي للأمن الغذائي العالمي. وتشكو روسيا من أنه لم يجرِ تنفيذ بنود الاتفاق المتعلّق بها، خصوصاً لجهة امتناع الغرب عن رفع القيود المفروضة على حركة السفن ونشاط الموانئ الروسية، وإزالة العقبات والعقوبات التي تعرقل صادراتها من الحبوب والأسمدة، ورفع الحظر على تعامل مصارف روسية مع نظام «سويفت» المالي الدولي. والسبب الأهمّ كان عسكرياً، فقد اتهمت موسكو كييف باستخدام الممرّ البحري المخصّص لتصدير الحبوب الأوكرانية «لأغراض عسكرية»، من خلال تمرير سفن محمّلة بالسلاح الغربي لأوكرانيا.

وتهدف مبادرة حبوب البحر الأسود التي وقّعتها روسيا وأوكرانيا برعاية تركيا والأمم المتحدة في تمّوز 2022 على ضفاف البوسفور، للتخفيف من خطر المجاعة في العالم من خلال ضمان تصدير المنتجات الزراعية الأوكرانية رغم الحرب، وبالفعل فقد إلتزمت روسيا بضمان أمن الموانئ وحركة السفن، وتمّ تصدير ما يقرب من 33 مليون طن من الحبوب من الموانئ الأوكرانية.

إنسحاب روسيا من الإتفاقية، يعني إنهاء الضمانات الأمنية التي قدّمتها موسكو وفقاً للاتفاق على فتح ممر آمن في البحر الأسود لمرور السفن الأوكرانية المحمَّلة بالحبوب والأسمدة، من ثلاثة موانئ أوكرانية هي: أوديسا وتشورنومورسك ويوجيني. فبالرغم من ردّ روسيا القاسي على ضرب جسر القرم في المرّة الأولى بضربات صاروخية على شبكات الطاقة وسكك الحديد والبنى التحتية الأوكرانية، إلّا أنّ طبيعة أهداف الردّ في المرّة الثانية كانت مرفئية وغذائية وأضرارها الجانبية تشمل الأمن الغذائي العالمي.

فقد تمّ تعطيل تشغيل ميناء أوديسا على البحر الأسود بواسطة هجمات روسية صاروخية وبطائرات مسيّرة إنتحارية، وتمّ إتلاف أكثر من 60 ألف طن من الحبوب المخصصة للتصدير والمخزنة في ميناء تشورنومورسك الأوكراني قرب أوديسا جراء الضربات الروسية، وإستهداف متعمّد لمخازن الحبوب في جنوب أوكرانيا.

يتمحور الإهتمام الأوكراني منذ أسبوع حول شبه جزيرة القرم، نظراً لأهميتها الجغرافية والعسكرية بالنسبة للجيش الأوكراني كما الجيش الروسي، فهي القاعدة الأساسية للجنوب الأوكراني، فضلاً عن حجم القوّة العسكرية الروسية الضخمة المتمركزة هناك، وموقعها الجغرافي المطلّ على البحر الأسود الذي يمكّن روسيا من السيطرة الأمنية على الحركة التجارية، وهذا الإهتمام التكتي يعود سببه لتباطؤ التقدّم شرقاً ضمن الهجوم الأوكراني المضادّ.

لا بدّ من التوضيح حول القوّة البحرية للجيش الأوكراني، القوّة الأساسية التي يمكنها الهجوم على أي جزيرة بمساعدة القوات الجوية، فأوكرانيا لا تملك أيّاً من السفن الحربية التي تستخدم في العمليات الهجومية بعد تدميرها بشكل كامل مع إنطلاق العملية الخاصة الروسية، والزوارق المسيّرة ليست بأهمية الزوارق الحربية السريعة، ولا يمكن إستخدامها في الهجوم لينحصر دورها في الإستطلاع وتنفيذ مهمّات خاصة.

مصير الإهتمام التكتي الأوكراني حول القرم ما زال رمادياً، فهي لا تملك العتاد اللازم لإستعادة شبه الجزيرة، فضلاً عن نقص الذخائر الصاروخية، ومحدودية قدرة المقاتلات الجوية الأوكرانية. هذه الرمادية تشمل أيضاً كامل الجبهة التي تمتد على أكثر من 900 كلم، فالعتاد المقدّم ليس هجوميّاً، والعناصر المدرّبة على الخطط والأسلحة الغربية ما زالت أقل خبرة من الجيش الروسي، ومن الواضح أنّ مصير هذه الحرب هو الإستنزاف في حقلي الإقتصاد والقدرة العسكرية الروسية، مع صعوبة ميدانية بإستعادة الأراضي الأوكرانية المحتلّة.