ريتا ابراهيم فريد

"ما وراء الحرف واللون" للفنان غاندي بو دياب... توثيق التراث بلمسة إبداعية

5 دقائق للقراءة
غاندي بو دياب خلال افتتاح المعرض في الأونيسكو
ما بين اللوحة والمنحوتة والقصيدة، يتوهّج الفنان غاندي بو دياب بإبداعه. على عتبة الذاكرة والتراث، يحاكي الوجدان اللبنانيّ في عمقه. يحاول «القبض على المشهد قبل انقراضه»، حتى تحوّلت أعماله الفنية إلى جسر عبورٍ بين الأزمنة. «نداء الوطن» تواصلت مع غاندي بو دياب في حوار ثقافي ممتع، تحدّث فيه عن «كهف الفنون»، وهو معلم ثقافي سياحي شيّده بنفسه في منطقة الجاهلية، وعن معرض «ما وراء الحرف واللون» الذي أقامه في قصر الأونيسكو وضمّ حوالى 75 عملاً فنياً بين جداريات ولوحات ومنحوتات.




أنت نحات ورسام وشاعر وناشط بيئي وحرفيّ. كيف يمكن لهذه المواهب المتعدّدة أن تتكامل لدى الفنان كي يترجم إحساسه بجمالية أكبر؟

بالدرجة الأولى، على الفنان أن يكون عاشقاً لكلّ ما يقوم به. وعليه أن يكون مجبولاً بالتراب والأشجار والمياه والهواء وبكل العناصر البيئية والطبيعية التي خلقها الرب، والتي من شأنها أن تشكّل ما يُسمّى «إحساس فنان»، بحيث يصبح العمل الفنّي انعكاساً للعناصر الموجودة في الطبيعة، والتي تتجسّد من جديد من خلال الريشة واللوحة والمنحوتة والقصيدة.

تركّز في أعمالك على توثيق التراث القروي اللبناني، كأنك تحاول خلق علاقة فنية خاصة مع الذاكرة. هل يمكننا أن نعتبر أنّ الفنان يتحوّل هنا الى مؤرّخ مع لمسة إبداعية؟

بالتأكيد. الرسام في بداياته يحاول أن ينقل مشاهد لفنانين عالميين بهدف اكتساب الخبرة. لكن حين يغوص أكثر في اكتشاف الحقيقة الكونية، حينها سيشقّ طريقه بلمسته الخاصة.

من هُنا أتى عنوان الندوة التي أقيمت في الأونيسكو، «ما وراء الحرف واللون»، حيث أنّ دمج الخليط الفكري نتجت عنه أعمال يصنّفها النقّاد بأنها إبداعية. وخلف مزج الحروف هناك قصيدة. ووراء دمج الألوان يفترض أن تولد لوحة. وعلى المراقب أو المُشاهد أن يستخلص الفكرة المتوارية وراء اللون أو الحرف.



جانب من كهف الفنون



كيف يمكن لـ»العودة الى الجذور» أن تكون دافعاً للأجيال الجديدة وخصوصاً المغتربين منهم، لإعادة التشبّث بهذه الأرض؟

الأمر يتمحور حول نقطة أساسية هي الحنين. فالنوستالجيا يمكنها أن تعيدنا الى الماضي من خلال اللوحة. والمغترب اللبناني قد يعيش جمالية المشهد إفتراضياً بمجرّد مشاهدته الوحات أو الكهوف والممرات الصخرية والترابية. لذلك أسعى الى إعادة إحياء ذاكرة الأجداد من خلال المنحوتات واللوحات والعمارات والفسيفساء.

هناك حركة لافتة في الجداريات التي ترسمها، كأنّ حياة جديدة تنبعث منها. ما السرّ خلف الراحة النفسية التي يشعر بها من يشاهد لوحاتك؟

ذلك يعود الى شغف العلاقة بين الفنان والمشهد من جهة، وبين السعي لأن تصل الفكرة من خلال الريشة على القماش من جهة أخرى. فالرسام هُنا مثل الموسيقيّ الذي يعيد توزيع النوتات بطريقة مختلفة. نتحدّث إذاً عن علاقة هرمية ثلاثية: فأنا أرى المشهد، ثم أطبعه في ذاكرتي، قبل أن أعيد تقديمه للمشاهدين على اللوحة. هذه العلاقة الثلاثية المتينة من الصعب تفكيكها. هناك صدق داخل المشهد الذي تجسّده اللوحة، لأنّه منقول عن مشهد حقيقي، إضافة الى عشق الشخصيات الموجودة فيه، والتي يمكن أن تكون من الأهل أو الأقرباء أو أشخاص يلمسون البيئة التي ننتمي إليها.




توثيق التراث اللبناني في لوحات غاندي بو دياب



أودّ أن أشير هُنا الى أنني لم أقدّم إلا ما يشبهني، لذلك ما زلتُ حتى اليوم في طور تأليف نفسي، ولم أكتمل بعد بكلّ الفنون التي أقدّمها. كما أنّ تأليف المشهد التراثي بأسلوب فني جديد، هو بداية لانطلاقة نحو دهاليز مطبوعة في خيالي وحلمي وذاكرتي.

المعرض لاقى إقبالاً كبيراً، والنشاطات الثقافية عادت بقوّة في لبنان. هل ترى أنّ ذلك يثبت عكس مقولة أنّ الثقافة باتت أمراً ثانوياً في زمننا؟

على الإنسان أن يقوم بواجباته، وهو حتماً سيحصد ما زرع. فإذا قدّم الفنان عملاً جيداً، سيلقى حضوراً ممتازاً يتابع أعماله. كل ما يخرج من الإنسان يعود إليه، كما يقال في اليوغا، سواء كان سلباً أم إيجاباً.

منذ أن باشرتُ عملي في الشأن الفني والثقافي والفكري والبيئي، حاولتُ قدر الإمكان أن أسير بين النقاط وأن تكون كل خطواتي مدروسة. وأهمية المعرض الذي أقيم أنه جمع النخبة من كل الأطياف اللبنانية في قصر الأونيسكو، وشكّل ملتقى لروّاد الفكر والسياسة والأمن والمثقفين والشعراء والدبلوماسيين.

إصرارك على حلمك تجلّى في العمل بين 18 و20 ساعة يومياً، والمثابرة على الإهتمام بـ»كهف الفنون» منذ العام 1990. في هذا الإطار، هل من رسالة منك للشباب اللبناني حول أهمية الصبر؟

على كلّ منّا أن يحاول خلق ثقافة بديلة عن الملل والفوضى والوقت الضائع. للأسف نحن نعيش في مجتمعٍ حاضنٍ للعادات التي لا تمتّ لثقافة السلام بصلة. أقول لهم ان ينظّموا أوقاتهم، وأن يخلقوا علاقة بينهم وبين ما يقومون به.

لا شكّ في أنّنا قد نصطدم بحائط مسدود بيننا وبين واجبات معيّنة، فنقوم تلقائياً بتأجيلها. لكن إذا أجبرنا أنفسنا على القيام بها، فهي حكماً سوف تنادينا. هنا تظهر أهمية العلاقة الحميمة بيننا وبين عملنا. هذه العلاقة تحتاج الى مبادرة وخطوة أولى كي نضع أنفسنا في المكان الصحيح، كبداية للتكيّف مع الواقع وتقبّله كما هو. «ما في حدا ما بيقدر يعمل شي»، كلّنا قادرون إذا قرّرنا ذلك ووضعنا هدفاً أمامنا.

أنا انطلقتُ بـ»كهف الفنون» من «صفر إمكانات»، وحاولتُ التأقلم مع الظروف المتاحة. المهمّ أن نبادر ونقوم بالخطوة الأولى، وإلا سنعيش في موت حتميّ.



منحوتة للفنان بو دياب