تربة قديمة في حجرة تجميد تكشف أن غرينلاند كانت خالية من الجليد

3 دقائق للقراءة

تكشف دراسة جديدة أن غطاءً جليدياً بسماكة ميل واحد في غرينلاند تبخّر منذ 416 ألف سنة تقريباً، خلال حقبة من الاحترار الطبيعي المعتدل، ما أدّى إلى ارتفاع البحار عالمياً بمستوى قد يُسبّب كارثة حقيقية في المناطق الساحلية اليوم. هذه النتائج لا تتماشى مع الفكرة القديمة التي تفترض أن أكبر جزيرة في العالم كانت عبارة عن حصن جليدي منيع طوال مليونَي سنة ونصف، وهي تتوقّع أن تصبح هذه المنطقة معرّضة للتغير المناخي الذي سبّبه البشر أكثر ممّا ظنّ العلماء سابقاً. يقول المشرف الرئيسي على الدراسة، بول بيرمان، من جامعة «فيرمونت»: لو أردنا أن نفهم المستقبل، يجب أن نفهم الماضي أولاً».



ارتكز البحث الجديد على نواة جليدية استخرجها العلماء في القاعدة العسكرية الأميركية السرية «كامب سنتشوري»، التي كانت ناشطة خلال الستينات، من تحت سطح شمال غرب غرينلاند، على عمق 1390 متراً.

كان هذا الأنبوب من التربة والصخور، الذي يصل طوله إلى 12 قدماً، خفياً داخل حجرة تبريد وأُعيد اكتشافه في العام 2017. انبهر العلماء حين علموا أن تلك الحجرة لا تحتوي على الرواسب فحسب، بل تشمل أيضاً أوراقاً وطحالب، وهو دليل قاطع على وجود مناظر طبيعية خالية من الجليد أو تغطّيها غابة قديمة كانت حيوانات الماموث الصوفية تجول فيها.

في غرفة مظلمة، أخذ العلماء شرائح داخلية من نواة الجليد وعرّضوها لأشعة زرقاء وخضراء أو أشعة تحت حمراء، فأطلقوا بذلك الإلكترونات العالقة، وهي تشكّل نوعاً من الساعات القديمة التي تستطيع تحديد آخر مرة تعرّضت فيها تلك الشرائح لأشعة الشمس، ما يؤدي إلى محو إشارة التلألؤ.

داخل معادن الكوارتز المأخوذة من قاعدة «كامب سنتشوري»، تراكمت نظائر نادرة من عنصرَي البيريليوم والألمنيوم حين كانت التربة مكشوفة تحت السماء وتعرّضت للأشعة الكونية.

عند تحليل نسبة الأشكال العادية من تلك العناصر مقارنةً بالنظائر النادرة، تمكّن العلماء من افتراض مدة وجود الصخور على السطح مقابل مدّة دفنها. تبيّن أن الرواسب كانت مكشوفة لأقل من 14 ألف سنة، ما يعني أن تلك المنطقة كانت خالية من الجليد طوال هذه المدة.

أُخِذت العيّنات من قاعدة «كامب سنتشوري» على بُعد 800 ميل فقط من القطب الشمالي، وتكشف الدراسة أن النباتات كانت تغطي المنطقة كلها على الأرجح.

تزامنت هذه الظاهرة مع احترار طبيعي خلال المرحلة الفاصلة بين فترتَين جليديتَين، أي حين كانت درجات الحرارة مشابهة لما هي عليه اليوم وأكثر دفئاً من مرحلة ما قبل الحقبة الصناعية بدرجة مئوية واحدة أو درجة ونصف. يعني ذلك أن كل منطقة ساحلية في العالم، حيث تكثر المراكز السكانية العالمية، قد تغمرها المياه في مرحلة معينة من القرون المقبلة.

تعليقاً على الموضوع، يقول جوزيف ماكغريغور، عالِم مناخي في وكالة «ناسا» (لم يشارك في الدراسة الجديدة): «دامت المرحلة التي زادت سخونة غرينلاند وفصلت بين فترتَين جليديتَين لعشرات آلاف السنين، وهي فترة أطول بكثير ممّا ظنّ البشر حتى الآن. لكننا تجاوزنا بأشواط مستوى غازات الدفيئة التي سُجّلت في تلك الحقبة».

في الوقت الراهن، تبلغ مستويات ثاني أكسيد الكربون المُحتَجِز للحرارة في الغلاف الجوي 420 جزءاً في المليون مقابل 280 خلال الحقبة الخالية من الجليد في غرينلاند، وستبقى هذه الكمية عالقة في السماء طوال آلاف السنين.

في النهاية، يستنتج بيرمان: «نحن نقوم بتجربة ضخمة حول غلاف الأرض الجوي، ولا نعرف بعد نتائج تلك التجربة. لن أدق ناقوس الخطر بسبب هذه المعلومات، لكن يُفترض أن تدفعنا النتائج الجديدة إلى التكاتف لحلّ المشكلة».