منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط 2022، بذلت الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً لدعم أوكرانيا من خلال تقديم المساعدة العسكرية وفرض عقوبات على روسيا. تتركز المساعدة العسكرية على توفير الأسلحة والذخائر وتبادل المعلومات الاستخباراتية التي كان لها تأثير فوري وواضح، حيث وفّرت لأوكرانيا الوسائل لتطوير جيشها بسرعة ومنافسة القوات الروسية بقوّة، ما أدى إلى استنزاف كبير للقدرات العسكرية الروسية وخسائر غير عادية في المعدات. وكان للعقوبات أيضاً التأثير الفوري على الإنتاج الدفاعي الروسي من خلال القطع المفاجئ لروابط التوريد مقابل تزويد مستمرّ للأسلحة والذخائر لأوكرانيا، ما خلق نافذة من الفرص للقوات الأوكرانية للتخطيط لهجوم مضاد.
لطالما كانت حرب المناورة أحد أعمدة الحرب الروسية، حيث لعبت مجموعات الدبابات الروسية دوراً مركزيّاً في مثل هذه العمليات، فقد دخلت الحرب بمجمل 2927 دبابة من الطراز القديم المعدّل، موزعين بين 2030 دبابة «ت72-اس» و480 دبابة «ت80-اس» و417 دبابة «ت90-اس»، جميعها من الحقبة السوفياتية مع تعديلات بسيطة. أمّا النماذج الجديدة الأكثر تقدّماً التي استخدمتها خلال الغزو الأولي هي «ت72-ب3م» و»ت90-م» و»ت80-ب ف م». وحتى اليوم خسرت روسيا نحو 1900 دبابة (دُمّرت أو أُسرت)، أي ما يُعادل ثلثي العدد الإجمالي.
يُمكن للمصانع الروسية تصنيع 250 دبابة في السنة، ومع بداية الحرب زادت تلك المصانع من نسبة إنتاجها السنوي ووصل إلى 30 في المئة، أي 325 دبابة، لكن من دون تزويدها أجهزة الإستشعار الحراري (SOSNA-U) التي كانت تستوردها من فرنسا، ما أدى إلى إضعاف قدراتها على رصد الأهداف البعيدة وإستهدافها خصوصاً في الليل، وتمكّنت من تصليح 600 دبابة كانت في المخازن من الحقبة السوفياتية مثل «ت-62»، «ت-54» و»ت-55» المصنعة عام 1950، وهي غير مدرّعة جيّداً وقوّتها لا تُمكّنها من تدمير دبابة غربية متطوّرة. ومجمل التصنيع والتصليح لم يوازِ عدد الخسائر، وذلك بسبب العقوبات التي منعت روسيا من الوصول إلى أدوات الآلات الغربية المتطوّرة، والوقت الذي تتطلّبه صناعة تلك الآلات محلّياً وتوظيف وتدريب اليد العاملة المتخصّصة.
إتضح حجم الخسائر للقادة العسكريين الروس بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من إنطلاق العملية الخاصة، فتم تغيير استراتيجية المناورة المدرّعة إلى المناورات المشتركة بين المشاة والمدرّعات واللجوء إلى حرب الإستنزاف بسبب الخسائر الكبيرة وغير القابلة للتعويض في العديد والعتاد، فقد نجحت مناورة المشاة بمساندة الدبابات والمدفعية بالمحافظة على نسبة كبيرة من الأراضي المحتلّة، وحتى بالتقدّم في دونباس (منتصف 2022) وباخموت أخيراً.
أمّا بالنسبة إلى سلاح المدفعية، فقد اعتمدت القوات الروسية في أوكرانيا بشكل كبير على مدفعيّتها المقطورة، 2118 مدفع «هاوتزر» ذاتي الحركة و1056 نظام إطلاق الصواريخ المتعددة «MLRS»، و1720 مدفع هاون ثقيلاً، لدعم العمليات الهجومية والدفاعية ولإضعاف القوات الأوكرانية، خصوصاً بعد إعتماد استراتيجية الإستنزاف. فبالرغم من عدم خسارة أعداد كبيرة من أنظمة إطلاق الصواريخ، إلّا أنّ عدد الذخائر الصاروخية والمدفعية تراجعت بشكل كبير، فقد تمّ إطلاق 40000 قذيفة يومياً خلال فترة الذروة في صيف 2022، فعلى الرغم من مخزوناتها الكبيرة من الذخيرة قبل الحرب، فإن معدّلات إطلاق النار المكثفة هذه أثبتت أنها غير مستدامة، وإعادة الإنتاج تستلزم وقتاً أكبر من نمط الإستهلاك، ما أدّى إلى تخفيض عدد عمليات إطلاق الصواريخ بنسبة 75 في المئة.
تواصل القوات الروسية الاعتماد بشكل كبير على المدفعية لتعويض أوجه القصور في المشاة والدروع والدعم الجوي القريب. تلعب المدفعية أيضاً دوراً مركزيّاً في استراتيجية الاستنزاف الروسية، كما تلعب المدفعية الروسية دوراً حاسماً في العمليات الدفاعية، مثلاً المساعدة في وقف هجوم خيرسون وخاركيف المضاد، فعند استخدامه دفاعيّاً، تستخدم القوة النارية المدفعية لتفكيك تجمّعات القوات الأوكرانية، وتعطيل الهجمات، وضرب طرق الإمدادات، واستنزاف قواتها. ومع ذلك، فإنّ الاستخدام الدفاعي للمدفعية يستهلك كميات كبيرة من الذخيرة، وبالتالي، فإنّ النقص الحاد في الذخيرة سيُضعف القدرات الدفاعية الروسية، ويفتح فرصاً إضافية للهجمات الأوكرانية المضادة.
لمعالجة هذه المشكلة، تُحاول روسيا استخدام المدفعية الدقيقة الموجهة بشكل أكبر، وهي أكثر كفاءة من القذائف غير الموجّهة، ولا يتطلّب تدمير أي هدف أن يتمّ رماية أعداد كبيرة منها، مثل «كينجال» و»اسكندر 101» و»كاليبر»، لكن قدرة الدفاع الجوي الأوكراني تتمكّن من إسقاط نسبة كبيرة من هذه الصواريخ وأعدادها قليلة وتكلفة تصنيعها عالية، ما أجبر الجيش الروسي على استخدام صواريخ مصمّمة لمهام أخرى، مثل «كينجال-32»، «أس-300»، «تورنيدو-اس»، إضافةً إلى الطائرات المسيّرة الإنتحارية مثل «شاهد-136».
هناك معركتا استنزاف منفصلتان تخوضهما روسيا ويبدو أنّ مداهما سيكون طويلاً، الأولى روسية داخلية متعلّقة بقدرة المصانع العسكرية على الإنتاج، والثانية ضدّ أوكرانيا وحلفائها الغربيين الذين يقدّمون المساعدات العسكرية بشكل متواصل ويفرضون العقوبات الدولية، فكان التأثير المباشر على القدرات الهجومية لروسيا أكثر مِمَّا كان عليه على قدراتها الدفاعية، كذلك أثّرت على بعض فئات الأسلحة أكثر من غيرها. لكنها تمكّنت من الحفاظ على وتيرة عالية نسبيّاً لعمليات الطائرات بلا طيار من خلال زيادة معدلات الإنتاج لبعض الطائرات بدون طيار في الخطوط الأمامية، مثل «أورلن-10» و»Lancet»، وأكثر من ذلك عن طريق استيراد الطائرات بلا طيار بأعداد كبيرة من بلدان أخرى مثل الصين وإيران.