فيما تتلهى الطبقة السياسية بالمناكفات وتسجيل النقاط، وصل اللبنانيون إلى نفق مسدود في ظلّ كلّ ما يحيط بهم من وقائع مالية ونقدية واقتصادية ما يهدّد بوضعهم فعلياً أمام مجاعة. وما بين هذين الواقعين تكبر مسؤولية القضاء وتتّسع دائرة السؤال عن دوره في هذه المرحلة، التي يفترض أن نشهد خلالها محاكم شعبية تنصب في الساحات لسارقي وناهبي المال العام ممن يتلون علينا دروسا في الاستقامة. فكيف يُتّهم أصحاب المصارف بتحويل أموال المودعين إلى الخارج ومصادرة أموالهم، ويبقون بلا محاسبة؟ وكيف، في ضوء كل الإتهامات التي تكال اليه يومياً، يبقى حاكم مصرف خارج نطاق المحاسبة أو المساءلة؟ وغيرها من الاسئلة التي إذا طرحت على معنيين بالقضاء، لا يترددون في إيجاد الحجج "الموضوعية" لتفسير محدودية صلاحياتهم.
أخيراً، أقرّ مجلس النواب قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، علماً ان مجلس الوزراء عيّن من بين وزرائه لجنة لمكافحة الفساد مهمتها مناقشة مشاريع القرارات المتعلقة بمكافحة الفساد والإثراء غير المشروع، ووضع تدابير آنية لاستعادة الأموال المنهوبة. هذه الاموال أوكل إلى الجهات القضائية المختصة التحقيق في شأنها وصارت في عهدة المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، لكن في ظلّ غياب التشريعات اللازمة التي تتيح له القيام بذلك. إذ كيف ستحصل المحاكمات طالما أن النص يمنع القضاء من ممارسة دوره في ما يتعلق بالنصوص المالية؟
الأموال المنهوبة
يشكل ما حصل بخصوص الاموال المنهوبة خير دليل على ذلك. ففي تاريخ 24 آذار الماضي أرسل النائب العام لدى المحكمة التمييزية القاضي غسان عويدات إلى هيئة التحقيق الخاصة (مكافحة تبيض الاموال وتمويل الارهاب)، يطلب منها تزويده بأسماء أصحاب التحويلات ليأتي ردّها مؤخراً ومفاده أن "كافة المصارف التي نفذت التحاويل الى الخارج بين 17 تشرين الأول و31 كانون الاول العام الماضي، أفادت بعدم وجود أي شبهة في العمليات أو بمصدر الأموال المودعة في الحسابات، وبالتالي فإن الأسماء التي أجرت التحاويل غير موجودة لدى "الهيئة" ويتعذّر عليها قانوناً أن تتخذ أي قرار بخصوص هذه الحسابات أو الطلب من المصارف تزويدها بالأسماء لعدم وجود شبهات عليها، مع الاشارة إلى انه في حال تم تجاوز القانون في هذه القضية فإن ذلك سوف يفسر بأن الهيئة تقوم بتنفيذ قرار سياسي مما يضرب الاستقلالية التشغيلية للهيئة، والتي يفترض ألا تتأثر بقرارات طابعها سياسي وفقاً للمعايير الدولية التي تراعي عمل وحدات الاخبار المالي".
أما بالنسبة الى التحاويل المنفذة بين 1 تموز 2019 و19 شباط 2020، فردّت الهيئة أن "العمل جار عليها، وأحيل الملف الى لجنة الرقابة على المصارف لإجراء المقتضى". لا يحق للهيئة خرق قانون السرية المصرفية طالما أن ليس هناك من جرم مرتكب. هو جرم أخلاقي ولكن القانون لا يلحظه في أي من مواده. أمل القضاء في المتابعة لم ينفد بعد، وقد يشكل الإخبار الذي تقدم به النائب زياد أسود مكلفاً من رئيس "التيار الوطني" جبران باسيل باباً يمكن للقضاء النفاذ منه الى ملف تهريب الأموال، كي يتمكن من استدعاء اشخاص يمكن التحقيق معهم بعدما رفضت هيئة التحقيق الخاصة تسليم عويدات الاسماء، "لعدم وجود شبهة بالمعلومات التي صدرت أو بمصدر الاموال المودعة".
رفع الحصانة عن الوزراء
الأمر نفسه ينسحب على ما شهده مجلس النواب قبل يومين، في ما يتعلق بمشروع قانون رفع الحصانة عن الوزراء الحاليين والسابقين الذين تولوا مناصب وزارية ابتداء من العام 1992، وإعطاء القضاء المختص وبصورة استثنائية حق ملاحقتهم في دعاوى هدر المال العام والفساد المالي. قد يفهم عدم إقرار مثل هذا القانون، لأنه يحتاج الى تعديل للدستور الذي كان قد لحظ في سياق إحدى مواده إنشاء محكمة خاصة بمحاكمة الرؤساء والوزراء والنواب. لكن رفض اقتراح محاسبة الوزراء لدى القضاء العادي معناه التسليم بوجود المحكمة الخاصة بالرؤساء والوزراء وتكريس عدم فعاليتها. ولذا كان الطرح الاقرب الى المنطق هنا، وفق مصادر قضائية رفيعة، أن يصار إلى اعتماد اقتراح القانون الذي تقدّم به النائب جميل السيّد في موضوع محاكمة الوزراء وغيرهم من المسؤولين، والذي يقضي بإضافة فقرة الى المادة 66 من الدستور تقول إن كلّ مخالفة للقوانين والأنظمة العامة تعتبر بمثابة فعل شخصي ويخضع مرتكبها لقانون العقوبات.
لكن قبل هذا الاقتراح وذاك، لو توافرت إرادة حقيقية لمحاربة الفساد، لصدرت المراسيم التنفيذية لإنشاء المحكمة الخاصة بالرؤساء والوزراء والنواب وتم تفعيل عملها خاصة في ظروف استثنائية كالتي يشهدها لبنان. كلّ ما حصل خلال الجلسة النيابية جاء مخيباً على مستوى المحاسبة، ذلك أن مكافحة الفساد تحتاج الى تشريعات يستند اليها القضاء لكن هذه التشريعات غير موجودة في عدته فكيف يتم الاقتصاص من الفاسد؟
أصحاب المصارف
خلال استماعه الى اصحاب المصارف اتُّهم مدعي عام التمييز بقيامه بعمل لا يدخل ضمن صلاحيات الغرفة العامة الاستئنافية، ما دفعه الى التراجع والطلب من المحقق العام المالي القاضي علي ابراهيم متابعة الملف، وقد تم تجميد الاتفاق الذي توصل اليه مع أصحاب المصارف والذي كان يؤمن ولو بالحد الادنى حقوق المودعين. ما الذي حصل لغاية اليوم؟ لا شيء والمصارف تفعل ما يتناسب ومصالحها من دون حسيب فيما ينتظر الجميع خطة الحكومة المالية للتصرف على أساسها.
واذا كانت هذه هي الحال مع المصارف فكيف هي مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المتهم الاول بإيصال البلد الى الهاوية مالياً ونقدياً، فكيف لا يتدخل القضاء لمساءلته والاستماع اليه حول حقيقة الاوضاع المالية؟
راسماً ضحكة باهتة على وجهه، يجيب مرجع قضائي كبير على السؤال بسؤال أكبر: "هل يعقل أن يكون حاكم المصرف المركزي رئيساً لهيئة التحقيق الخاصة المؤلفة من سلطة قضائية مستقلة؟ وهل من المعقول أن تكون هذه الهيئة عصية على المساءلة جزائياً أو مدنياً بذريعة قانون النقد والتسليف الذي يتحدث عن السرية المصرفية؟ وكيف يحدّد القانون مسألتي الأموال المشبوهة أو يحدّد تبيض الأموال في ظل قانون السرية المصرفية؟ وقبل ان يطلب من القضاء محاسبة الحاكم لِمَ لا تضع الحكومة حداً لتعاميمه؟"
تأخير التشكيلات القضائية
شكل سابقة في تاريخ القضاء أن يصار الى تجزئة التشكيلات القضائية وفصل القضائية عن تلك العسكرية. وبدل أن يمنح القضاء الثقة السياسية على خياراته تحت سقف المحاسبة، تم التشكيك بدوره ولم ينته مشوار التوقيع على التشكيلات بعد، فيما يبدو مجلس القضاء الأعلى مصراً على توقيعها كما وردت منه والا فسيرفضها، خصوصاً اذا كان صحيحاً أن وزيرة الدفاع تنوي تعديل بعض الأسماء المتعلقة بالتشكيلات العسكرية.
أمام زواره يردّد رئيس مجلس النواب مقولته الشهيرة: "أعطوني قاضياً مستقلاً وخذوا دولة"، فيما الحقيقة وفق مرجع قضائي تقول: "أعطوني نصوصاً قانونية وخذوا محاسبة".