أرخت أزمة "كورونا" وارتفاع أعداد المصابين في مخيم الجليل للاجئين الفلسطينيين في بعلبك، بظلالها على حياة الناس اليومية التي تزامنت مع بدء شهر رمضان، وتمكّن الخوف من فرض سيطرته على تحرّكات المواطنين، فيما عادت تحرّكات الثوّار على الأرض، رفضاً للواقع المعيشي والإرتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار.
تتّجه الأنظار إلى مخيم الجليل، لمتابعة الإجراءات وسبل الوقاية من انتشار عدوى الفيروس المشؤوم، بعد تسجيل أربع حالات من أقارب المصابة منال شهابي والتي لا تزال طريقة انتقال الفيروس اليها مجهولة، بانتظار صدور كافة نتائج الفحوصات التي أجرتها وزارة الصحة يوم الأربعاء، ويعوّل على وعي الناس والتزام الحجر المنزلي وقيام الأجهزة الأمنية والبلدية بالخطوات اللازمة والمطلوبة لضبط عملية الدخول والخروج، وعلى عاتق الفصائل الفلسطينية في منع التجوّل داخل المخيم، إلا في حالات الضرورة، حيث غابت المسافات الآمنة وعمّت الزحمة داخل المخيم أمس، خلال زيارة تفقدية لوزير الصحة حمد حسن، بحضور سفير دولة فلسطين في لبنان أشرف دبّور، أكد بعدها انه "لا نستطيع أن نتحمل نحن، لا سمح الله، الأذى الذي قد يحصل في حال أخذنا على عاتقنا كمجتمع المبادرة إلى فك التعبئة العامة من دون الالتزام بالضوابط التي تضعها لجنة الكورونا في الحكومة اللبنانية". يضجّ المخيم الواقع عند مدخل بعلبك الجنوبي، والذي أنشئ العام 1949، بما يزيد عن عشرة آلاف لاجئ، حيث تضيق أزقّته وترتفع أبنيته يوماً بعد يوم لتستوعب الزيادة الحاصلة في الأعداد. ويقع خارج المخيم وعند مداخله المقابلة للطريق العام معظم المحال التي يقصدها السكان لقضاء حاجاتهم، وهو ما يُرتّب وعياً إضافياً بضرورة الإلتزام بالحجر المنزلي وعدم الإختلاط، لما للمخيم من تداخل بين قاطنيه والبعلبكيين من مختلف الفئات.
وبين الوعي الذي يفرض على الناس إلتزام منازلهم وبداية شهر رمضان، حيث تضجّ المحال التجارية ومحال الخضار بالزبائن، تغيب الرحمة عن التجار وتُحلّق الأسعار عالياً بلا حسيب أو رقيب، وتُعدّل أسعار المواد الغذائية على "رفوف" السوبرماركت، بناءً على تقلّبات الدولار، رغم شراء التجّار المواد على سعر الصرف قبل أيام، وربما قبل أشهر، فيما أسعار الخضار والفاكهة تخضع لمزاجية البائع بالرغم من كل التصريحات ولوائح الأسعار التي تصدرها وزارة الزراعة. فشهر رمضان الذي يفترض أن يكون شهر الرحمة، يجعله كثيرون شهر جني الأرباح، ويعتاد الناس سنوياً على زيادة الأسعار عند حلول الشهر، غير أن الأزمة هذا العام زادت الأسعار ضعفين.
وبخلاف كل المناطق اللبنانية، لا مبادرات تسجل لأصحاب المحال أو المؤسسات التجارية أو محال الخضار في بعلبك، للوقوف إلى جانب الفقراء والمحتاجين وممن هم غير قادرين على شراء حاجاتهم اليومية بحسب الأسعار الجنونية، بل يطمع الكل بجمع الثروات والأموال، وفيما توجّه الدعوات من المسؤولين وغيرهم للتحلّي بالوعي، يستوقف السيدة إلهام الكلام عن ضرورة الإلتزام بالحجر المنزلي والصبر الذي يدعون إليه في وقت ضاقت بها وبعائلتها سبل العيش، وفي حديث لـ"نداء الوطن" خلال تسوّقها بعض الخضار، تقول بلهجتها البعلبكية: "الوجع والجوع يلي حاسّين فيه ما لح يحسّو واحد قاعد ورا مكتبو وعم ينظّر علينا إنو نقعد ببيوتنا وهوّي مأمّنلو كلّ شي، أنا أشتري الخضار بالحبّة كي أحضّر إفطاراً اليوم من دون أن أعرف إذا كنت استطيع تأمين ذلك غداً". وتُضيف بأن "اللحمة لا تدخل بيتنا في رمضان، فسعر الكيلو الذي وصل في بعلبك إلى 27 ألفاً بعدما كان العام الماضي 15 ألفاً، يُمكننا تعويضه بالدجاج الذي زاد سعره ولكن يبقى محمولاً"، وأشارت إلى "أن الأسوأ آت حتماً، فالناس تموت من الجوع على مهل ولا أحد يدري بها".
وفيما غابت زينة رمضان عن الشوارع وبركة رأس العين وأقفلت المساجد أمام المصلّين، ينشط بعض ابناء المدينة في إيصال الفرح إلى بيوت الأطفال والأهالي لتخفيف عبء الحجر عنهم، حيث عمدت جمعية safe side إلى استقبال شهر رمضان بتسيير مركبة مزيّنة ترفيهية تجول في أحياء مدينة بعلبك بعد الإفطار، حيث تتخلل الجولة أناشيد رمضانية وشخصيات كرتونية وألعاب مسلية ومُضحكة للأطفال تحت شعار: "نطرونا على شرفات المنازل".