لم يكن العام 2022 جيداً بالنسبة إلى أبرز الأنظمة الاستبدادية في العالم. في شهر تشرين الثاني من تلك السنة، واجه الرئيس الصيني شي جين بينغ أكبر تظاهرات معادية للحكومة منذ انتفاضة ساحة تيانانمن في العام 1989. وبسبب سياسات «صفر إصابات» الصارمة التي طبّقتها بكين لمكافحة كورونا، طرح المحتجون من جميع أنحاء البلد مطالب سياسية واضحة ودعوا الرئيس الصيني إلى الاستقالة وإنهاء حُكم الرجل الواحد. تزامنت تلك الاحتجاجات مع تراجع نمو الاقتصاد الصيني إلى أدنى مستوياته منذ العام 1976. ردّت الحكومة على هذه الأحداث عبر التخلي فجأةً عن برنامج «صفر إصابات» وسمحت بتفشي الفيروس سريعاً بين السكان. مات مليون شخص في المرحلة اللاحقة، ما أدى إلى انهيار ثقة الرأي العام بالنظام.
واجهت إيران من جهتها تحديات أكثر خطورة. في شهر أيلول، أدى مقتل الشابة مهسا أميني، أثناء احتجازها لدى الشرطة بتهمة ارتداء الحجاب بطريقة «غير لائقة»، إلى تأجيج الاحتجاجات في جميع المناطق طوال أشهر، وقد استهدفت تلك التحركات عمق الهوية الثورية للنظام. دعا آلاف المحتجين في أكثر من مئة مدينة إلى موت المرشد الأعلى علي خامنئي وإنهاء الجمهورية الإسلامية بحد ذاتها. في نهاية السنة، نظّم ناشطون في المعارضة إضراباً عاماً طوال ثلاثة أيام كاد يشلّ البلد كله. تلاشت الاحتجاجات منذ ذلك الحين، لكن يرفض عدد كبير من النساء الإيرانيات ارتداء الحجاب حتى الآن.
لكن كان العام 2022 الأسوأ على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الأرجح. كان غزوه لأوكرانيا كارثياً بمعنى الكلمة. اضطر الجيش الروسي للتخلي عن محاولات الاستيلاء على كييف وانسحب من المواقع التي احتلّها سابقاً في شرق أوكرانيا وجنوبها. كذلك، أطلقت الحرب حملة غير مسبوقة من العقوبات الغربية، وتسببت بمقتل حوالى 200 ألف روسي، ودفعت مئات آلاف المواطنين إلى الهرب من البلد. في الوقت نفسه، بدأ نفوذ روسيا الجيوسياسي يتلاشى بكل وضوح. بين ليلة وضحاها، أوقفت أوروبا اتكالها على إمدادات الطاقة الروسية، واضطرت موسكو للتخلي عن جهودها الرامية إلى التأثير على البلدان المجاورة في القوقاز وآسيا الوسطى.
بعد انتصار «الأشرار» لأكثر من عشر سنوات، يبدو أن العالم بدأ ينقلب على الاستبداد اليوم. يواجه ثلاثة من أبرز الأشرار تحديات غير مسبوقة على سلطتهم، ما يسمح للديمقراطية بالتفوق على الاستبداد خلال المنافسة العالمية الراهنة، للمرة الأولى منذ سنوات. لكن تبقى التهديدات المطروحة على سلطة الحكام المستبدين أقل مما يأمل البعض. تملك الأنظمة الدكتاتورية الثلاثة الآنف ذكرها مصادر خفية للمقاومة وتعود جذورها إلى ماضيها الثوري.
تكون هذه الأنظمة عموماً أكثر قابلية للاستمرار من الأنظمة غير الثورية. ينجم هذا الوضع عن أسلوبها المختلف في ترسيخ سلطتها. على عكس عدد كبير من الحكام المستبدين الذين يسعون إلى زيادة دعمهم الشعبي وكسب الشرعية الدولية عند وصولهم إلى السلطة، يعمد قادة الأنظمة الثورية إلى تهميش فئات واسعة من سكان البلد ومعاداة البلدان المجاورة والقوى العالمية أيضاً. سعى البلاشفة في الماضي إلى تصدير الثورات الشيوعية إلى بقية دول أوروبا وآسيا، وحاولوا إلغاء البرجوازية كطبقة اجتماعية بحد ذاتها، ولم يترددوا في ترهيب الأرستقراطيين ومصادرة أملاكهم وتسليم مزارعهم إلى خدّامهم السابقين. في العام 1917، تمّ تكبيل حوالى 50 طالباً عسكرياً روسياً من الطبقة العليا وسيقوا إلى مصنع لرميهم في فرن مشتعل. كذلك، أعلن ماو تسي تونغ خلال نضاله لكسب السلطة في الصين أن «الثورة ليست حفلة عشاء»، وشجّع الفلاحين على إهانة طبقة أصحاب الأراضي القدامى وتدميرها. في إيران، فرض المرشد الأعلى، آية الله روح الله الخميني، قواعد صارمة على ملابس النساء، ودعم احتجاز رهائن أميركيين، وأعدم الآلاف من خصومه، ودعا إلى إطلاق ثورة إسلامية عبر الخليج الفارسي.
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التصرفات غير منطقية. غالباً ما تُسبب مهاجمة المصالح القوية صراعات عنيفة قد تدمّر الأنظمة الثورية الناشئة. ساهمت تلك الاعتداءات في تسريع حروب أهلية قاتلة في الصين وروسيا، وأدت إلى حروب خارجية دموية في إيران وفيتنام. لكنّ هذه الأحداث لم تدمّر تلك الأنظمة بل زادتها قوة.
حتى أن هذه الصراعات الأولى دفعت الأنظمة إلى بناء قوات أمنية جديدة وقوية نجحت في قمع جميع أشكال المعارضة، منها الحرس الثوري الإيراني ولجنة أمن الدولة في روسيا. وبما أن الحكومات الثورية أنشأت قواتها المسلحة الخاصة بدل أن تَرِث الجيش السابق، تمكنت من ملء صفوف الجيش بجواسيس وضباط موالين للنظام، فوجد الجنود ورؤساؤهم صعوبة متزايدة في تنفيذ الانقلابات في المرحلة اللاحقة. أخيراً، تُدمّر الحروب الأهلية الهياكل الاقتصادية القائمة في معظم الحالات، ما يعني أنها تمنح الحكومات الاستبدادية الفرص المناسبة لاختراق الاقتصاد، ما يسمح للحكام المستبدين بتعزيز النمو الاقتصادي لكن من دون أن يقعوا ضحية الأطراف المستقلة القوية التي تنشر الديمقراطية في بلدان أخرى.
الـــثـــورات لا تـــدوم إلـــى الأبـــد
حتى أقوى الأنظمة الاستبدادية الثورية لا تدوم إلى الأبد، ولا تُعتبر الصين وإيران وروسيا قوى لا تُقهَر. لكن يبدو النظامان في طهران وموسكو أكثر هشاشة من النظام الصيني. حتى الآن، حافظ النظام الإيراني على تماسكه رغم الأزمة الاقتصادية والاضطرابات الشعبية، لكن لا يعني ذلك أنه يستطيع متابعة هذا النهج إلى أجل غير مُسمّى. إذا تابع الاقتصاد تدهوره وتوسّعت مشاعر الاستياء، قد تزيد التصدعات داخل النظام. من المتوقع أن تتصاعد الانقسامات على المدى المتوسط بعد رحيل الجيل المتعصّب الأصلي من الثوار الذين شاركوا في الصراع على السلطة سابقاً. كما حصل في الاتحاد السوفياتي خلال السبعينات والثمانينات، قد تتراجع الميول الإيديولوجية لدى المسؤولين الأصغر سناً، ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى الانشقاق في زمن الأزمات. كذلك، لم يعيّن خامنئي المريض والبالغ من العمر 84 عاماً خَلَفاً له بعد، وقد يؤجج موته الانقسامات داخل النظام، مع أنه أمر مستبعد نظراً إلى قوة الجهات المتطرفة.
في المقابل، تنجم هشاشة النظام الروسي عن وضع السلطة بيد حاكم واحد. اليوم، يحكم بوتين البلد من دون أن تتصدى له أي مؤسسات أو أطراف أخرى. لا يرتكز نظامه في الأصل على نوع الإيديولوجيا التي رفعت مستوى الولاء والتضحيات في إيران الثورية، ولا على حزب حاكم قوي مثل النظام الصيني، وهو عامل يضمن استمرارية الحُكم بعد رحيل أي زعيم فردي. بما أن كل شيء يتوقف على بوتين في روسيا، قد تنتشر الفوضى في النظام بعد موته أو في حال عجزه عن المضي قدماً. لا أحد يعرف بعد هوية خَلَفه. هذا النوع من الشكوك شائع في الأنظمة القائمة على شخص واحد. لكن نظراً إلى طبيعة ميزان القوى بين الدولة والمجتمع، من المستبعد أن تُمهّد هذه المرحلة الانتقالية إلى ترسيخ الديمقراطية، أقلّه على المدى القريب.
لا يزال النظام الصيني أقوى من النظامَين الإيراني والروسي، ومن الواضح أن الاقتصاد الصيني يبقى أفضل حالاً من الاقتصاد الإيراني. قد تكون سلطة شي جين بينغ أقوى من أسلافه في التاريخ الحديث، لكن لا يحمل حُكمه طابعاً شخصياً بقدر نظام بوتين. لا يزال نظام شي راسخاً في أوساط بيروقراطية قوية ومؤسسية غير موجودة في روسيا. لكن لا يعني ذلك أن الصين لا تواجه مشاكلها الخاصة. بالإضافة إلى تراجع النمو الاقتصادي وسياسات «كوفيد» غير المدروسة، دفع الفساد المستفحل في السنوات الأخيرة بعض المراقبين إلى اعتبار الحزب الشيوعي الصيني «ضعيفاً» وفي «المرحلة الأخيرة من الانحلال». في غضون ذلك، بدا وكأن حملة شي جين بينغ المكثفة لمكافحة الفساد خلال العقد الأخير سمحت بالحد من مخالفات الحكومة، لكنها لم تتخلص منها نهائياً. مع ذلك، من المتوقع أن تحمي الحكومة نفسها من أي فضائح فساد مستقبلية أو أزمات من نوع آخر بفضل الإجراءات البيروقراطية القوية في النظام، وقدراته القمعية على نحو استثنائي، والمجتمع المدني الضعيف.
تبقى مواجهة الحكومات الثورية مسألة معقدة في جميع الظروف. غالباً ما تسمح الاستراتيجيات المتشددة التي يطبّقها خصوم النظام في الغرب بزيادة تماسك الأنظمة الاستبدادية ومنحها مجموعة مناسبة من الضحايا. كانت العقوبات ضد كوبا طوال عقود كفيلة مثلاً بتقوية النظام الذي أسسه فيدل كاسترو في العام 1959 وترسيخ شرعيته. كذلك، لا يمكن أن تستمر المواجهة المفتوحة مع بلد قوي اقتصادياً وسياسياً بقدر الصين.
لكن لا يُعتبر الغرب عاجزاً بأي شكل. لم يسقط النظام الإيراني رغم العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة على طهران منذ بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لكن نجحت تلك العقوبات في إضعافه عبر تأجيج أزمة اقتصادية كبرى، فزاد الاستياء الشعبي وتكررت الاحتجاجات على مر العقد الماضي. في روسيا، فشلت العقوبات غير المسبوقة حتى الآن في زعزعة نظام بوتين، لكنها عزلته عن الساحة الدولية وكبحت النمو الروسي، حتى أنها أضعفت على الأرجح قدرة البلد على خوض الحرب في أوكرانيا.
تكشف تحركات بوتين في أوكرانيا مخاطر الفشل في مواجهة القوى التي تتحدى المعايير الليبرالية الدولية. أرادت ألمانيا وقوى غربية أخرى تجنّب الصراع، وهذا ما دفعها إلى تقبّل مصالح روسيا الجيوسياسية ومحاولة التواصل معها بعد إقدامها على غزو شبه جزيرة القرم وضمّها إليها بطريقة غير شرعية في العام 2014. لكن لم تسمح هذه الجهود يوماً بكبح الطموحات الإقليمية الروسية، ولا شك في أن الرد الغربي الخفيف نسبياً شجّع بوتين على غزو بقية مناطق أوكرانيا في العام 2022. اليوم، تعترف معظم الدول الأوروبية بضرورة تحدّي روسيا في المراحل المقبلة.
يطرح الحكام المستبدون الثوريون ومن يخلفهم واحداً من أخطر التحديات على النظام الدولي اليوم. يثبت قرار بوتين بغزو أوكرانيا، رغم علاقات روسيا الوثيقة مع أوروبا، أن الروابط الاقتصادية والمصالح المادية المشتركة لا تكفي لحماية النظام العالمي الليبرالي. لهذا السبب، يُفترض أن توحّد الديمقراطيات صفوفها وتدافع عن القيم الديمقراطية عبر تقديم الدعم العسكري للأنظمة الديمقراطية التي تتعرض للهجوم ومنح المساعدات الدبلوماسية والمادية للأطراف التي تعارض الحُكم الدكتاتوري. قد لا تنجح هذه الجهود كلها في إسقاط الأنظمة الدكتاتورية الثورية على المدى القصير، لكنّ أي مقاومة استباقية ومنسّقة ضد الاستبداد ستُجهّز الغرب لاحتواء تلك الأنظمة أو حتى هزمها على المدى الطويل.