«القطوع الكبير الذي اجتازه لبنان» حسب رئيس البرلمان نبيه بري، بعد حادثة كوع الكحالة ليل الأربعاء الماضي، هل ينقل البلد من وضعية الخطر إلى برّ الأمان أم أن الجمر سيبقى تحت الرماد في ظل حماوة على الساحة اللبنانية التي هي انعكاس لارتفاع درجة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؟
لا يبدو الجواب عن السؤال إيجابياً حتى عند الذين اطمأنّوا لنجاح مساعي استيعاب واحتواء الاحتقان الذي سبّبته حادثة الشاحنة والاشتباك المسلّح الذي تخلّلها وأدّى لسقوط قتيلين، وبعد انفلات المشاعر العدائية المتبادلة بين جمهور مسيحي تصاعدت نقمته على تصرّفات «حزب الله» إلى درجة صدور دعوات لا تتوانى عن تهديد السلم الأهلي، وجمهور «الحزب» الذي ذهب إلى أبعد مدى في تضخيم ردة الفعل وتفعيل الخيال في الحديث عن «العملاء»، مشحوناً بفائض القوة والمكابرة جرّاء التعبئة الموازية لها، إلى درجة الوقوع في تناقضات السردية التي اعتمدتها قيادته...
حادثة كوع الكحالة وما سبقها من مقتل القيادي في حزب «القوات اللبنانية» في الجنوب وما رافقها، تثبت رغم النجاح في تجاوزها كم أنّ الشرخ عميق، رغم العبور منها إلى استعادة الهدوء. وهي في الوقت نفسه تعمّق ندوباً سياسية يكون من المكابرة عدم الالتفات إليها، ومن النكران المميت تجاهل مخاطرها. وبعبارة أخرى يكون من العناد الأعمى أن يركن «حزب الله» إلى تضافر المساعي من أجل تهدئة الخواطر فيواصل سياسة طمر رأس النعامة في الأرض، بينما تتراكم الظروف والعوامل التي تسهل على الساعين إلى عزله مسيحياً ولبنانياً وخارجياً، مهمتهم.
ومن غير المعروف إذا كانت قيادة «الحزب» تنبّهت إلى أنّ أيّاً من الزعامات المسيحية، حتى الحليفة للحزب، تبنّى روايته للأحداث، بمن فيهم مرشحه للرئاسة الأولى سليمان فرنجية، رغم تلميحاته البعيدة إلى مخاطر مواقف بعض خصوم الحزب عبر دعوته إلى الوحدة الوطنية، أسوة بما قاله حليفه الأكبر رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، بتحذيره من الانزلاق إلى الفتنة. ثم، هل لفَتَ نظر قيادة «الحزب» أن أياً من القيادات السنية، أو الدرزية، حتى الحليفة له لم ترفع الصوت بالتضامن معه، رغم أنّه من عادة هؤلاء أن يكونوا أكثر تطرّفاً وحدّة في التصدّي لخصوم «المقاومة»، عند حصول أي حادث أمني؟
ومن المفيد الإشارة إلى أنه في بعض الأوساط الهدف ليس عزل «الحزب»، بل الانعزال عنه جرّاء النقمة عليه. وهو أمر يقود بالنتيجة إلى ما يشبه العزل، الذي من مخاطره أن يأخذ طابعاً طائفياً شاء «الحزب» وخصومه أم لم يشاؤوا.
وفي كل الأحوال، وكما في كل حدث يشغل اللبنانيين ويضعهم وجهاً لوجه مع المخاطر، لا يلبث أن يأتي الحدث الذي ينسيهم إيّاه من دون أن يلغيه. ومع أن الكثير من القادة رفض استغلال الحادثة، جاء نشر مقاطع من تقرير ألفاريز أند مارسال عن التدقيق الجنائي في إنفاق مصرف لبنان وميزانيته لينقل اللبنانيين إلى التدقيق في من «قبض» مالاً من رياض سلامة، ومن استفاد من هندساته المالية... ورغم أنّ تفاعلات كوع الكحالة لن تتوقّف في القريب العاجل، لا محلياً ولا خارجياً، فإنه مقابل اعتقاد البعض أنه كان من الخطأ توجيه الانتقاد إلى سلوك الجيش خلال الحادثة، لأنّه تعاطى برويّة حيال ضغوط الطرفين عليه: «الحزب» الذي أراد مواجهة أهالي الكحالة بالشدّة، والقوى السياسية المعادية للحزب التي أرادت التعاطي بشدّة مع ما قام به، فإن هذا لا يلغي دعوات في الخارج، ولا سيما في أميركا، إلى إعادة النظر في استمرار دعمه.
من الدلالات التي كشفها كوع الكحالة أنّ هناك من لا يزال يراهن على الحصول على ثمن من «حزب الله» لمناسبة الارتباك الذي سبّبه له كوع الكحالة، مقابل غضّ النظر عن الحملة عليه في الوسط المسيحي. فرئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل يطمح إلى العودة إلى معادلة «نحن نغطي سلاح المقاومة مقابل المكاسب في السلطة»، التي احتاج إليها محور «الممانعة» في السنوات الماضية. لذلك تحدث باسيل عن «أهميّة أن تكون المقاومة محتضنة من الشعب اللبناني، وإلا تفقد مناعتها وقوّتها – من يحمي لها ظهرها شعب وليس شخصاً. والدلالة كبيرة بأنه ما بيكفي يكون في وحدة شيعية ،على أهميتها، حتى المقاومة تكون بخير والبلد بخير – الوحدة الوطنية تبقى أكبر وأكثر مناعة». فباسيل يتهيّأ لتوظيف الكوع من أجل الحصول على المكاسب التي يطمح إليها في الرئاسة اللبنانية وبعدها، معتبراً أن موقع تياره على الصعيد المسيحي يستطيع حماية ظهر المقاومة، لا فرنجية.
بغضّ النظر عن صحّة اتهام «الممانعين» خصومهم بأنهم سعوا «لتوظيف» حادثة «كوع الكحالة» للتحريض، أو عدم صحته، فأيّ وصف ينطبق على السعي للحصول على مكاسب في السلطة جرّاء الإرباك الذي وقع فيه «الحزب»، الذي سبق أن حمى طموحات «التيار الحرّ» في السلطة، وليس مستبعداً أن يحميها مجدّداً؟