لم يكن انقلاب النيجر أول حركة عسكرية معادية لهيمنة فرنسا على أفريقيا، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة. القارة السمراء تنتفض رويداً رويداً على مستعمِرها السابق، وتقلّص النفوذ الفرنسي فيها. فبعد التغييرات في السنوات الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، أقدم مؤخراً انقلابيون في النيجر على الإطاحة بالحكم الموالي لفرنسا، وقبضوا على زمام السلطة في العاصمة نيامي.
التغييرات الأخيرة على المسرح الأفريقي تضرّ بفرنسا وبمصالحها وبحضورها الدولي، كما تفيد روسيا بدرجة أولى، حيث يبرز ميل واضح للحكومات الانقلابية الناشئة على «رفات» تلك الموالية لباريس لتعميق التعاون الوثيق مع موسكو. إن استثمار روسيا الأمني والاقتصادي في أفريقيا، وتحديداً في غرب القارة، بدأ يُثمر مزيداً من النفوذ السياسي والحلول مكان فرنسا كراعٍ دولي لتلك الدول.
لقد استثمرت روسيا في غرب أفريقيا على مرّ السنوات القليلة الماضية، فأعطت الأسلحة والضمانات الأمنية، وأمّنت الشراكات مع القطاع الخاص، وراهنت على تيار «السنكارية» الأفريقي المتصاعد والمعادي للحضور الاقتصادي والثقافي الفرنسي.
و»السنكارية»، نسبة لرئيس بوركينا فاسو السابق توماس سانكارا، هي إيديولوجية يحملها تيار واسع من الناشطين المدنيين والقادة العسكريين الأفارقة من الشباب، وتعتبر أن الاستقلال الاقتصادي عن المستعمِر السابق ضروري لتحقيق تنمية محلّية وبناء دول حديثة ونامية وصولاً إلى تحقيق الوحدة الأفريقية.
إن أغلب الانقلابيين الذين نشطوا في أفريقيا في السنوات الماضية، يحملون الفِكر «السنكاري»، ومنهم بشكل خاص الرئيس الحالي لبوركينا فاسو إبراهيم تراوري الملقب بـ»بوتين الأسود». وكان تراوري البالغ من العمر 35 سنة فقط قد شارك مع معظم رؤساء أفريقيا في القمة الروسية - الأفريقية أواخر شهر تموز الماضي، حيث أدلى بخطاب وصفه الإعلام الروسي بـ»التاريخي والأكثر بلاغة».
قال «بوتين الأسود» في القمة التي عُقدت في سان بطرسبرغ: «نحن الشعوب المنسية في العالم. كيف يمكن أن تضم أفريقيا أغنى الثروات الطبيعية وهي الأفقر في العالم وشعبها جائع؟ الفقر يُجبر الناس على الموت في المحيطات للوصول إلى أوروبا، وقريباً سيقفون أمام قصورنا للانتقام من فقرهم... منذ سنوات ونحن نثور ونواجه في بوركينا فاسو الكولونيالية الجديدة والعبودية الأكثر شراسة التي يريدون فرضها علينا. العبد الذي لا يستطيع تحمّل ثورته لا يستحق أن نشفق على مصيره... لا نطلب منكم أن تشفقوا علينا، بل كونوا على ثقة أنّنا قرّرنا حمل السلاح لتخليص بلادنا من القوى المرتهنة للمستعمِر الأوروبي».
تنتشر فلسفة «بوتين الأسود» وما يماثلها بكثرة في أفريقيا هذه الأيام، وهي تكسب موطئ قدم لها بين الجيل الأفريقي الجديد وخاصة المتعلّم منه. فلسفة مشتقة من كتابات وأقوال توماس سانكارا لن يستفيد منها في النهاية إلا روسيا التي تبدو الدولة الأكثر حماسة للتحرّكات الانقلابية المتتالية في أفريقيا، خاصة إن كانت على حكومات موالية لفرنسا.
في مقابل التراجع الفرنسي في أفريقيا، والذي بات يصفه باحثون أفريقيون بـ»المحتوم والقابل للزيادة أكثر»، تستفيد روسيا من الفراغ وتقدّم نفسها للدول الأفريقية كبديل دولي لا يُريد فرض ثقافته على أفريقيا ولا هيمنته السياسية، إنما مجرد الشراكة الاقتصادية معها.
حتّى وإن كان المسار التاريخي المعادي للهيمنة الاقتصادية الفرنسية على أفريقيا قابلاً للتضخم وقادراً على تحقيق نتائج مرجوة وسريعة في القادم من السنوات، فإنّ تقليص الهيمنة الثقافية الفرنسية على القارة السمراء يبقى الأصعب والأكثر تعقيداً، ويحتاج إلى عقود من الزمن لكي يتحقق.