تتّسم مسيرة الممثلة الأسترالية كيت بلانشيت (53 عاماً) بمستوى استثنائي من التوازن، مع أن فيلمها الأخير Tár يستكشف هشاشة الروح البشرية، بما في ذلك روحها هي شخصياً. ترشّحت بلانشيت للفوز بجائزة أوسكار عن فئة أفضل ممثلة هذه السنة، وهي تتكلم في هذه المقابلة عن مسيرتها التمثيلية المبهرة والتوازن الذي تقيمه بين عملها وعائلتها، وتوقها للعودة إلى بلدها الأم.
من اللافت أن يعرض فيلم التشويق النفسي الذي شاركت فيه بلانشيت حديثاً شخصية غارقة في مستنقع الإلغاء الفكري. تعيش الممثلة في هذا العمل داخل عالم شرير حيث تُعرَض معالم الثقافة المعاصرة بجميع أجزائها الهشة والمتصدّعة. إنها بيئة مناسبة لهذه النجمة الأسترالية لأنها حرصت دوماً على الاقتراب من هذا العالم المظلم، فهي معروفة بأعمال مثل Lord of the Rings (سيّد الخواتم)، وThor: Ragnarok، و The Curious Case of Benjamin Button (الحالة المُحيّرة لبنجامين باتن)، و Notes on a Scandal (ملاحظات عن فضيحة). هذه الشجاعة هي التي جعلتها في أعلى المراتب، مع أن حماية هذه الصورة الإيجابية والمؤثرة والمثيرة للاهتمام ليست مهمّة سهلة.
في نهاية المطاف، لم تكن بلانشيت يوماً من الشخصيات التي تلتزم الصمت في الشؤون السياسية والبيئية، أو مواضيع الاستدامة، والمساواة، والحركة النسوية، والقضايا الاجتماعية. هي لا تتحمّل المزعجين ولا تتعارك مع الآخرين، لكنها تتعاطف مع الناس وتتخذ مواقف بدأت تجذب الصحافة الصفراء في السنوات الأخيرة.
هي تجمع هذه المواصفات على الأرجح بسبب شخصيتها المتفرّدة وثقتها الكبيرة بنفسها، أو ربما بسبب جانبها الفكاهي الذي تكشف عنه في أكثر الأجواء جدّية، أو بسبب براعتها في تقديم أعمال ما كانت لتتداخل بهذا الشكل لولا مشاركتها فيها. أو ربما يتعلق السبب بكل بساطة باحترام الناس لممثلة وامرأة لا تقتصر مزاياها على جمالها المثالي، وحيويتها، وصدقها، وشفافيتها، بل تتّسم أيضاً بذكاء فائق.
تقول بلانشيت: «بدأتُ أراجع أعمالي السابقة وأشيد بما قدّمتُه أكثر مما كنتُ أفعل سابقاً. لطالما كنتُ أركّز على المستقبل. لكني بدأتُ أشعر بأن الوضع يتغيّر لسبب ما، مع أنني أحرص على التمسك برغبتي في المشاركة في أعمال درامية تُشغّل التفكير في الزمن الحاضر».
لكن يُفترض ألا تقلق بلانشيت بهذا الشأن في فيلم التشويق Tár، فهو يعرض قصة سقوط الملحّنة والموسيقية الخيالية «ليديا تار». هي تظهر في البداية كامرأة عبقرية يشيد بها الجميع، لكن سرعان ما تنتشر شائعات مسيئة عن أعمال وحشية وسوء معاملة، وتصبح ثقافة الإلغاء بأعمق أشكالها محور الأحداث حين تبدأ بطلة القصة بالتخبّط نتيجة الوضع المعقّد الذي تتعامل معه. وفي تطوّر تدريجي صاخب، سنتذكّر جميعاً مدى سهولة وخطورة أن يغفل الناس عن حقيقة ما يحصل.
اعترف الكاتب والمنتج تود فيلد بأن السيناريو الغني بجوانب فنية مفرطة كُتِب خصيصاً لكيت بلانشيت، وأن الفيلم ما كان ليبصر النور لو رفضت المشاركة فيه. لكنها أحبّت العمل لدرجة أن تصبح منتجته التنفيذية. هذه الخطوة تكشف الكثير عن شخصية بلانشيت في هذه المرحلة من مسيرتها المهنية، فهي تستطيع تنفيذ هذا النوع من المشاريع ثم تُغيّر وجهتها بالكامل وتنتقل سريعاً إلى مشروع آخر حيث تعطي صوتها لشخصية القردة «سبازاتورا» في فيلم الرسوم المتحركة Pinocchio. هذه الخيارات المهنية تأتي بعد الدور الأساسي الذي اشتهرت به في العام 1998، حين قدّمت شخصية ملكة إنكلترا «إليزابيث الأولى» في فيلم Elizabeth للمخرج شيخار كابور. لطالما عكس أداؤها التمثيلي حجم ثقتها بنفسها وقوتها وتميّزها عن الآخرين. لكنّ قوة التزامها وإنتاجيتها في العمل أسفرت حتى الآن عن فوزها بجائزتَي أوسكار فقط من أصل ثمانية ترشيحات (عن فيلمَيThe Aviator (الطيار) و Blue Jasmine (الياسمين الأزرق)).
مع ذلك، لا تشعر الممثلة بالقلق بل تقول: «المقياس الحقيقي للأداء لا يمكن إلا أن يأتي من الداخل. لن تقنعك أي جائزة بقيمتك الحقيقية إلا إذا شعرتَ بها بنفسك. يستطيع الممثلون أن يخدعوا الآخرين، لكن يستحيل أن يخدعوا أنفسهم».
قد يظن المراقبون الخارجيون أن بلانشيت تعيش حياة مثالية على جميع المستويات، وهي حياة محورها الالتزام، والشغف، والخيارات الصائبة. هي لم تقترب من صفحات مجلات الفضائح إلا عندما اعترفت بأن زوجها، الأسترالي أندرو أبتون، يحب أذن القزم التي وضعتها في شخصية «غالادرييل» في ثلاثية Lord of the Rings. كذلك، أثارت تصريحاتها بعض الجدل حين أوحت مقابلتها مع مجلة «فانيتي فير»، في العام 2015، بأنها قد تكون ثنائية الجنس، لكنها عادت وصرّحت بأن أقوالها استُعمِلت خارج سياقها الصحيح. تعليقاً على الموضوع، قالت بلانشيت أثناء كلامها في «مهرجان كان السينمائي الدولي»، في العام 2015: «في مطلق الأحوال، يُفترض ألا يهتم أحد بهذه المسألة. قد تعتبرونني امرأة تقليدية، لكني كنت أظن أن عمل الممثل لا يقضي بتقديم عالم ممل وصغير ومجهري، بل بإقامة رابط نفسي مع تجارب شخصيات أخرى. يُفترض ألا تَهُمّ حياتي الشخصية الآخرين، أو ربما تَهُمّهم. لكني لا أهتم شخصياً بطرح أفكاري وآرائي علناً».
لكن تكمن مشكلة بلانشيت الحقيقية في هذا المجال بالذات. هي تحرص دوماً على تسليط الضوء على الشخصيات التي تقدّمها. إنها ميزة بسيطة لكن يسهل نسيانها في عالم الترفيه اليوم. تقول بلانشيت: «لا يتأثر الممثلون، والموسيقيون، والعارضون، والرياضيون، وسواهم، بالشكل الذي يتوقّعونه عند التطرق إلى المواضيع الاجتماعية أو السياسية. هم يغرقون في الكلمات والمواقف ويقنعون أنفسهم بأن الآخرين يصغون إليهم لدرجة ألا يدركوا أن قلة من الناس تهتم بآرائهم».
بلانشيت أم لأربعة أولاد: داشيل (21 عاماً)، ورومان (18 عاماً)، وإيغناتيوس (14 عاماً)، وابنتها إديث فيفيان باتريسيا (7 أعوام). هي مليونيرة ولا تحتاج إلى العمل أو بذل هذا الكمّ من الجهود المتواصلة. ما الذي يدفعها إذاً إلى متابعة ما تفعله؟
تجيب بلانشيت: «أنا أستعمل التمثيل كأداة لنقل مجموعة من التجارب الجميلة، ولطالما كان هذا الجانب من أبرز الأسباب التي دفعتني إلى متابعة هذه الرحلة. أنا وأفراد عائلتي سعداء أينما كنا، طالما نبقى معاً. أصبح زوجي وأولادي معتادين السفر ويمكننا أن نستمتع بالإقامة في لندن، أو روما، أو نيويورك، أو سيدني، أو أي مكان آخر قد نعمل فيه. أهم ما في الحياة هو هذا الشعور العميق الذي ينتابنا وسط العائلة، مع أنني أجد صعوبة في البقاء خارج أستراليا لفترات طويلة». هي تنفي بشكلٍ قاطع أن تكون القوة المُسَيْطِرة في أسرتها، لكنها تدعم حتماً التقدّم الذي أحرزته النساء خلال الجيل السابق، مع أنها واجهت بعض الانتقادات في فيلم Tár بسبب تجسيدها دور امرأة ضعيفة.
تعليقاً على تلك الانتقادات، تقول بلانشيت: «لا أهمية للنوع الاجتماعي في هذه القصة. ليديا شخصية بحد ذاتها، وهي تتعامل مع التعقيدات والصراعات التي يمكن أن يواجهها أي رجل. بعبارة أخرى، لا شيء يدعوني إلى اختيار الشخصيات النسائية القوية حصراً. التمثيل يختلف عن هذه الأفكار. في مطلق الأحوال، أنا لستُ مقتنعة بإمكانية أن تحصل المرأة على «كل شيء». حتى أنني لم أكن أعرف أن المرأة تريد كل شيء لنفسها. لكن يجب أن نعترف بأننا أصبحنا أكثر استقلالية بكثير، ما يعني أن نرغب في تطوير حياتنا المهنية في المجتمع ونستفيد من الفرص التي يحصل عليها الرجال. أنا شخصياً ممتنة جداً لأني تزوجتُ برجل كريم ومستعد لمساعدتي في تربية الأولاد حين أكون في عملي. من الأسهل أن أتحكّم بمسيرتي المهنية حين أعرف أن شريكي مستعد لدعمي ومساعدتي في المسائل اللوجستية طوال الوقت».
توحي أجوبتها بأن احتمال تقاعدها لا يزال مبكراً، مع أنها تفكّر صراحةً بالعودة إلى أستراليا نهائياً، لا سيما بعد مشاركتها في فيلم Tár الذي أتعبها جسدياً ونفسياً بطريقة لم تختبرها في أكثر من سبعين مشروعاً سابقاً على مرّ مسيرتها.
في النهاية، تعترف بلانشيت: «أنا أجد صعوبة في البقاء في مكاني لفترة طويلة. وعندما أدلي بتصريحات قوية عن رغبتي في أخذ استراحة والامتناع عن أي نشاط، سرعان ما أشعر بملل شديد. قد تبدو لنا فكرة الحياة الهادئة مدهشة إلى أن يصبح محيطنا هادئاً بالكامل... فنشعر حينها بأنه وضع مرعب بمعنى الكلمة»!