دخل سوق الطائرات المقاتلة عصر تعدّد الأقطاب بعدما احتفظت الولايات المتحدة بالقيادة لفترة طويلة، فقد برزت دول جديدة في مجال التصنيع الوطني للطائرات المقاتلة، أهمها تركيا، الصين وكوريا الجنوبية، إضافة إلى المشاريع المشتركة بين الدول لصناعة المقاتلات مثل المشروع البريطاني - الياباني، ما قد يؤثر سلباً على الاقتصاد الأميركي الذي يعتمد بشكل كبير على عائدات سوق تصدير الأسلحة، ويزيد قلق البنتاغون من تفوّق المقاتلات الجديدة على قدرة مقاتلات القوات الجوية الأميركية.
في ثمانينات القرن الماضي كان لدى جنوب أفريقيا، تايوان، يوغوسلافيا، البرازيل، رومانيا، إسرائيل، اليابان والهند، مخطّطات تصنيع طائرات مقاتلة وطنية، فقد تم بناء عدد قليل من هذه الطائرات المحلّية، ولكن معظمها اختفى خلال التسعينات بسبب تقليص ميزانيات الدفاع بعد نهاية الحرب الباردة، لذلك تمكّنت الولايات المتحدة من السيطرة على السوق وبيع مقاتلاتها الوطنية وأهمّها طائرة الجيل الرابع «أف 16»، المصنّعة من شركة «لوكهيد مارتن» عام 1973، حيث تمكّنت الولايات المتحدة من بيع أو دعم جيوش دول حليفة بـ4600 طائرة «أف 16» حتى اليوم وذلك لـ25 دولة حول العالم، ما قدّم للاقتصاد المحلّي قيمة هائلة من المال بلا تكاليف تطوير مسبقة.
وبعدها أتت المقاتلة «أف 35 سترايك»، التي دخلت الخدمة عام 2015، وعزّزت هيمنة واشنطن على الصادرات في سوق الطائرات المقاتلة العالمية، فمع 16 دولة حصلت عليها حتّى الآن، و4 دول طلبت رسمياً شراءها، حقّقت «أف 35»، مثل سابقتها، نجاحاً كبيراً، لكن مع دخول منافسين جدد إلى السوق، لن تستطيع «أف 35» وحدها الحفاظ على معدّل المبيعات السابق، فعلى الرغم من وجود برنامج إنتاج طائرة باهظة الثمن وكبيرة جدّاً بحلول 2030 والتي من غير المرجّح أن تكون قابلة للتصدير لأسباب تتعلّق بالكلفة، والسرّية (مثل المقاتلة «أف 22» لعام 2005 و»أف 15»)، لذلك ستعمل الولايات المتحدة باستمرار على تحديث طائرة «أف 35»، ولكن بحلول أواخر عام 2030، سيؤثر العمر وإنتاج المقاتلات الجديدة على جاذبيّتها الشاملة.
تمكّنت اليابان منذ عام 1990 من تصنيع نحو 100 مقاتلة «أف 2» المشابهة للمقاتلة «أف 16»، لكنّها توقّفت عن تصنيعها بسبب الكلفة الباهظة، وتُخطّط الآن لشراء أكثر من 140 مقاتلة «أف 35» من الولايات المتحدة. لكن ابتداء من أواخر عام 2030، ستتوقف لندن وطوكيو عن شراء طائرات «أف 35»، وسيتمّ البدء في بناء طائرتهما المشتركة. أمّا كوريا الجنوبية، التي بدأت تطوير طائرات جديدة منذ الحرب الباردة، فقد بدأت تصنيع المقاتلة «ك أف 21 بورامايي» بالتعاون مع إندونيسيا (20 في المئة)، والتي ستدخل الخدمة عام 2026. كذلك تركيا التي تعمل على تطوير المقاتلة «قآن كي تي» لتستبدل اسطول المقاتلات «أف 16» التابع للقوات الجوية التركية بحلول عام 2028 وللتصديرالعسكري.
كانت موسكو ثاني أكبر مصدّر دفاعي في العالم لسنوات بعد الولايات المتحدة، لكن صادراتها تراجعت حتى قبل أن تغزو أوكرانيا في عام 2022، بسبب فرض الولايات المتحدة في 2017 عقوبات مالية على أيّ دولة تعقد صفقة كبيرة مع مصنّعي الأسلحة الروس بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات، ما ساهم في انخفاض مبيعات الأسلحة الروسية خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن جهود الهند والصين، السوقين الكبيرين لروسيا، لتقليل اعتماد جيوشهما على المعدّات الأجنبية من خلال بناء صناعات دفاعية محلّية أكثر قوة. لذلك تكاد الحرب الروسية على أوكرانيا أن تقضي على مستقبل صادرات موسكو الدفاعية، خاصة بالنسبة إلى الأنظمة البارزة مثل الطائرات المقاتلة. التصنيع الوطني للمقاتلات لن يُخرج الولايات المتحدة من سوق تصدير الأسلحة والمعدّات العسكرية، فبالرغم من وضع مخطّطات وأسماء للمقاتلات، لن تتمكّن هذه الدول من تصنيع المعدّات التي تتألّف منها المقاتلات والتي تتطلّب دراسات طويلة ومصانع متخصّصة، مثلاً المحرّكات النفاثة التي تصنعها الولايات المتحدة من خلال شركة «جنرال إلكتريك» ستكون ضمن برنامج تصنيع المقاتلات الهندية ومقاتلات كوريا الجنوبية والمقاتلة التركية.
لذلك، في حين تتراجع مبيعات الولايات المتحدة للمقاتلات، يبقى الوقت والتجارب الأساس في تثبيت أنّ النوعية والقدرة العالية في الميدان سيبيّنان أنّ المصانع العسكرية الأميركية هي الأولى عبر التاريخ، فبالرغم من الإهتمامات الإعلامية بتطوّر الآلة العسكرية الصينية مثلاً، يبقى الإعتماد الأساسي في الميدان على الآلة الأميركية التي تستطيع النجاح في القتال.
أمّا بالنسبة إلى الخطر الاقتصادي الذي يمكن أن يخلّفه هذا الإنتاج الوطني للمقاتلات، فمن الصعب أن يتم إنتاج أي مقاتلة وطنية دون الحاجة إلى الرادارات وأجهزة تحديد الموقع الجغرافي «GPS» والمحركات النفاثة، فالهند على سبيل المثال تُريد شراء محرّكات نفاثة من شركة «جنرال إلكتريك» الأميركية لتطوير المقاتلة «تيجاس هال أم كي 2»، إضافةً إلى أنظمة الاستشعار الأميركية.
لذلك يمكن أن تعتمد الولايات المتحدة على تطوير وتصدير الأجهزة المكمّلة لتصنيع المقاتلات، في ظلّ وجود منافسين أوروبيين مثل شركة «إيرباص»، «تاليس» الفرنسية و»ليونارد» الإيطالية و»رولز رويس» البريطانية وتكنولوجيا عسكرية إسرائيلية يُمكنها أن تكون بديلاً للأجهزة الإلكترونية الأميركية.