رمال جوني -

التظاهرات تعود الى النبطية وخريطة جديدة للتحركات: "السلمية ما بتطعمي خبز"

4 دقائق للقراءة

ما زالت النبطية ترزح تحت وطأة "كورونا"، لم تجرؤ على الخروج من إطار التعبئة خوفاً من الوباء، بقيت الأكثر التزاماً، ما نأى بها عن الوقوع في فخ "كوفيد 19"، على عكس وقوعها في فخّ الأسعار الذي أصاب كل المواطنين. وفيما تجهد بلدية النبطية والبلديات في المنطقة للحدّ من آثار الفيروس، غير أنهم سقطوا في ضربة جزاء الأسعار، لم يفلحوا في بسط سلطتهم الرقابية على التجّار، بالرغم من صراحة القانون في ذلك. بدوا بعيدين كلّ البعد عن واقع الناس. قد تكون النبطية البلدية الوحيدة التي قرّرت مكافحة الغلاء بسوق شعبي، تروق أسعاره بحدّها المتوسط للناس، بعدما باتوا لقمة سائغة للقاصي والداني من تجار السوق السوداء، ممن يتلاعبون بالأسعار بحريّة، وكأن الغلاء بات "سيناريو يومي"، يسرق اهتمامات الناس، فلم يعد هناك شغل شاغل غيره، "قديش الأسعار" فتحتهم اليومية، نسي الناس "كورونا" ومخاطرها، تناسوا رمضانهم وعاداتهم وتقاليدهم، ما يُشغلهم الأسعار دون سواها، فكلفة جاط الفتوش الطبق الأساسي على مائدة رمضان تجاوزت الـ15 الف ليرة، فكيف يواجه الناس الواقع؟!

علّ عودة الحياة التجارية تخفّف من حدّة الأوضاع المتردّية، فالمحال الصناعية فتحت أبوابها من جديد، وعادت معها الحياة الى طبيعتها، غير أن كل المتغيرات مرهونة بلعبة الدولار، يتحكّم الأخير برقاب الناس، يجلدهم في جيوبهم ، ويهدّدهم في لقمة عيشهم، بعد تآكل معاشات الموظفين والمودعين الصغار، وفقدان الليرة قيمتها، وربما هذا ما دفع بثوار النبطية المستقلين للعودة الى الشارع، شدّوا حزام مطالبهم التي لم تخرج عن إطار الحدّ من الغلاء وتحرير الدولار من رقبة متلاعبي السوق السوداء، وجّهوا سهامهم تجاه الطبقة الفاسدة، ممن عاثت بالبلد 30 عاماً سرقة ونهباً، إعتبروا أن لا تغيير حقيقياً طالما من يُمسك بزمام السلطة فاسد.

صحيح يرفضون فكرة إسقاط الحكومة لأنها "تخدم أجندات الأحزاب التي تريد ركوب موجتهم لتحقيق مكاسبها"، وفق ما أشار اليه المحامي هيثم عزو، غير أنهم ينشدون التغيير عبر اتخاذ قرارات صارمة وجريئة للحكومة تهدّ هيكل الفساد على الجميع وتُعيد للناس حقوقهم.

أمام ساحة النبطية إلتأم شمل المحتجين، رفعوا شعارات تُلامس حقوق الناس وأوجاعهم، ساروا بمسيرة سلمية جابت شوارع المدينة، صبّوا جام غضبهم على حاكم مصرف لبنان، فهو رأس حربة الفساد ومن يُمسك بلعبة الدولار، بحسب المحامي عزو " كفى تراخٍ، طالبنا بالكثير، ولم نجد شيئاً، آن أوان وضع خطط إصلاحية، تحدّ من جشع التجار، الذين يكيلون بمكيالين للناس".

وشدّد المتظاهرون على أن الضغط الشعبي هو الحلّ، "فالسلطة بدا شوية حزم"، وفق ما أكد محمود شعيب الذي طالب "بقتل رأس الأفعى وهي السلطة الفاسدة ومحاسبة حاكم المصرف الذئب"، مؤكداً أن "الثورة ستأخذ سيناريوات جديدة في الأيام المقبلة".

على وقع هتافات الثورة، إستعادت النبطية زخم التحركات الشعبية، فالجوع والغلاء شكّلا الدافع لسلام لكي تنزل الى الساحة مُجدّداً، ترى أنهم "يحاولون رسم سياسة جديدة لمسار تحركاتهم القادمة، فالتظاهرات قد تكون عنوان المرحلة القادمة لأن قدرة صمود الناس نفدت".

وفق مصادر الحراك، يضع المعتصمون خريطة طريق جديدة لتحركاتهم، يرفض البعض أن تكون سلمية، وهذا ما دفع بطارق للصراخ وسط الشارع، مطالباً بتغيير منهجية الحراك، فالسلمية برأيه "لا تُطعم خبزاً، وتخدم السلطة"، مؤكداً أن "التصعيد العنفي هو البوصلة وإلا لا نفع لأي تحرك".

كادت كلمات طارق أن تُحدث إشكالاً بين المنتفضين، الذين انقسموا بين السلمية والتصعيدية، ليحسم القرار بإعداد خطة جديدة للتحركات على أن تلامس وجع الناس، وهزّ عروشهم ليؤازروا الثوار في الساحات. بحسب طارق، "نحن على تماس مع الناس، نشتري لهم الحصص الغذائية اليومية، نلمس حجم الجوع والفقر، فالغلاء يقضّ مضاجعنا، بتنا غير قادرين على شراء ضمّة نعناع، وما زال هناك من يتماشى مع السلطة خوفاً من زعلها، بس الفقير يزعل معليش".يخشى الجميع من ما بعد "كورونا"، فالهزّة الإقتصادية والمعيشية أكثر وجعاً وخطراً على الناس من الوباء، يجزمون بأن الإنهيار الإقتصادي سيكون أكثر بلاء على الجميع، خصوصاً في ظلّ غياب رؤية إصلاحية واضحة لما بعد الأزمة.