جوزيف حبيب

ترامب وبريغوجين و"صراع العروش"

26 آب 2023

02 : 01

صورة ترامب الجنائية التي التُقطت له داخل سجن مقاطعة فولتون.

يحسم الروائي الشهير جورج مارتن رأيه بمصير لاعبي «صراع العروش» بالقول: «عندما تلعب لعبة العروش، إمّا أن تفوز وإمّا أن تموت. ليس هناك من حلّ وسط»! بالطبع تختلف معطيات وظروف ومعايير وشروط ونتائج الصراع على النفوذ والسلطة باختلاف الحقبات التاريخية، كما بتفاوت المجتمعات السياسية حول العالم وتعدّدها وتنوّعها وطبيعة أنظمة حكمها المختلفة جذريّاً عن بعضها البعض في الزمن نفسه.

إستطاع الرئيس السابق دونالد ترامب اقتحام المشهد السياسي الأميركي بسرعة قياسية عندما قرّر الغوص في «بحر واشنطن» الهائج والترشّح لخوض سباق 2016 الرئاسي. وبعكس كلّ التوقّعات آنذاك، نجح ترامب في «رهانه المجنون» وألحق هزيمة مدوّية بمنافسته اللدودة هيلاري كلينتون كاسباً جولته الأولى من «صراع العروش» على المكتب البيضوي، فأصبح الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية.

لكنّ الظروف المحيطة بمعركة 2020 الرئاسية في خضمّ «العاصفة الوبائية» و»الحرب الإعلامية» الضروس، فضلاً عن شخصيّته الصدامية التي «جذبت» الكثير من «الأعداء المؤثّرين» ضدّه، كلّفته هزيمة محقّقة في وجه الرئيس الحالي جو بايدن، وتالياً خسارة «صراع العروش» في جولة التجديد لولاية ثانية. وما يُصعّب المهمّة عليه لكسب المعركة على الصعيد الوطني في 2024، تمسّكه بادعاء «سرقة الانتخابات» منه، فيما كانت «صورته الرئاسية» قد تلطّخت باقتحام الكابيتول المشؤوم.

ووصل الأمر بترامب ليُلاحق بأربع محاكمات جنائية حتّى اللحظة، بعدما سلّم نفسه الخميس لسلطات سجن «رايس ستريت» السيّئ الصيت في ولاية جورجيا، حيث التُقطت صورة جنائيّة له، هي الأولى تاريخيّاً لرئيس أميركي سابق، بينما لا يزال يتذرّع بـ»مهزلة قضائية» و»تدخّل انتخابي». لقد بات الزعيم اليميني عبئاً ثقيلاً على النخب في واشنطن، لا سيّما الجمهوريين القلقين على مصير «حزب الفيل» في انتخابات 2024 المُعلّق في مهبّ «الرياح الجنائية» للرئيس السابق.

بدأت تُطرح علامات استفهام جدّية حول مصير ترامب، خصوصاً في حال هُزم رئاسيّاً مرّة أخرى، فهل تنتهي مسيرة «الرجل الاستثنائي» في سجن فدرالي؟ وفي حال حصول ذلك، ما تداعيات الأمر على الشارع الأميركي الذي يخوض أصلاً «حرباً أهليّة باردة»؟ ويذهب البعض إلى حدّ طرح مخاوف حول احتمال اغتياله، لكن تبقى هذه الفرضيّة بعيدة المنال نسبيّاً كون ترامب تحت حماية جهاز الخدمة السرّية، وبلاد «العم سام» ليست في خانة الدول حيث يُقتل فيها المعارضون السياسيّون.

وعلى الرغم من أن معركته صعبة ومكلفة للغاية، ما زال ترامب يُقاوم في لعبة «صراع العروش» بنسختها الديموقراطية، ويبدو أنّه مصمّم على الذهاب حتّى النهاية ولو خاض الانتخابات من خلف القضبان. والشهور المقبلة كفيلة وحدها بحسم مصير «المغامر المشاكس». والحديث عن «صراع العروش» لا يكتمل فصولاً بلا مقاربة «خسارة» قائد مجموعة «فاغنر» المرتزقة يفغيني بريغوجين «اللعبة» وفقدان حياته على مذبح هذا الصراع بالذات.




يفغيني بريغوجين


ليس بالأمر العابر أو البسيط على الإطلاق أن يتمكّن رجل عصابة صغير من «خرّيجي» سجون الاتحاد السوفياتي أن يصعد «سلّم النفوذ» سريعاً من بائع للنقانق إلى رجل أعمال ثري. نجح «الثعلب المسعور» في اتقان لعبة «صراع العروش» بنسختها الاستبدادية الوحشية، فاستغلّ قربه من «البابا» فلاديمير بوتين ونال ثقته ليُطلق العنان لمشاريعه «العابرة للقارات» من خلال «فاغنر» التي سرعان ما توسّعت أعمالها من شرق أوكرانيا إلى سوريا ودول أفريقية عدّة، فحَمت أنظمة متهالكة ووقّعت عقوداً لاستغلال الثروات الطبيعية لتلك الدول.

أمّن بريغوجين مصالح روسيا في الخارج وحقّق خلال قيامه بذلك ثروات طائلة. جعل نفسه «لاعباً محوريّاً» وحاجة ملحّة لتنفيذ سياسات الكرملين في الخارج. وتعاظم نفوذه إلى أقصى حدود مع نجاح قوّاته في احتلال مدينة باخموت بعد معارك استنزاف ضارية وطويلة، ودخل قلوب الكثير من الروس حين وصّف حقيقة التطوّرات الميدانية، متحدّثاً بعفويّته المعهودة المشبّعة بالكلام البذيء والعبارات الشعبية النابية.

بيد أنّ تحدّيه المباشر للقيادة العسكرية الروسية وتصويب سهامه الجارحة، ولو تلميحاً، في اتجاه «صانعه» بوتين، وصولاً إلى تمرّده وزحفه العسكري نحو موسكو، كان بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، في وقت وقّع بريغوجين بنفسه على «حكم إعدامه» حين توقّف على بُعد نحو 200 كلم من العاصمة الروسية ليعود أدراجه بوساطة بيلاروسية، يعرف أبسط المتابعين أنّها ليست سوى «تسوية موَقتة» ريثما تدقّ «ساعة الصفر» لتصفية الحسابات مع بريغوجين ورفاقه.

«طبّاخ بوتين» لم يتعلّم من درس الروائي جورج مارتن، فدفع الثمن الأغلى. هُزم بريغوجين في «جولته الأخيرة» من لعبة «صراع العروش» في «بلاد القياصرة»... ففَقَدَ حياته. فهل يتّخذ أشدّ الموالين له من مقاتلي «فاغنر» القرار بالثأر لموته؟ وإذا قرّروا ذلك، هل يستطيعون تنفيذ مخطّطاتهم بالإنتقام على أرض الواقع؟