رواد مسلم

الإنقلاب في النيجر يُنذر بنشوب حرب إقليمية

5 دقائق للقراءة
خسارة فرنسا أهم مقرّ لقواتها في النيجر سيُخسرها التواجد بالقرب من مصالحها الحيوية (أ ف ب)

يُعدّ الإنقلاب العسكري في النيجر نقطة تحوّل سرّعت في مجرى الأحداث التي كان من المتوقّع حدوثها في دول غرب أفريقيا، حيث تتواجد قوّات عسكرية أجنبية من دول عدّة، خصوصاً بعد الإنقلاب العسكري في غينيا عام 2021، وانقلاب مالي حيث تمّ إخراج الجيش الفرنسي عام 2022 مع نهاية عملية «برخان»، يليه الإنسحاب الفرنسي من بوركينا فاسو بعد انقلاب النقيب إبراهيم تراوري بمساعدة قوات «فاغنر» الروسية، فقد تصاعدت التهديدات العسكرية ومعها تزايدت إحتمالات التصادم الإقليمي بين الدول الأفريقية وخلفها الدول العظمى الداعمة لها والمتصارعة في ما بينها، لتكون أفريقيا ميدان معركة بالوكالة تُضاف إلى سجل الميادين الأخرى، للحفاظ على مصالح الدول الغربية في مقدّمها فرنسا بمواجهة الصعود الروسي والصيني المتنامي في المنطقة.

يوجد على أراضي النيجر 1500 جندي فرنسي ضمن قاعدة عسكرية في نيامي و1200 جندي أميركي، يشاركون في القتال ضدّ الجماعات الإرهابية المتطرفة المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و»داعش» في المنطقة. أمّا في جمهورية أفريقيا الوسطى التي طلبت رسمياً من روسيا في أيار 2023، إقامة قاعدة عسكرية بقدرة استعابية ما بين خمسة إلى عشرة آلاف جندي، ووجود المئات من عناصر «فاغنر» الداعمة لسياسة الكرملين، فهذا الامر يعكس مدى تطوّر التعاون العسكري بين البلدين بعد خروج آخر جندي فرنسي من أراضي الجمهورية في كانون الثاني 2023. أمّا في تشاد التي تمتلك حدوداً طويلة مع النيجر، فيتواجد فيها 8 قواعد فرنسية، فضلاً عن قوات أميركية متخصّصة بالمراقبة الجوية وشنّ الضربات بالطائرات المسيّرة.

بعد الإنسحاب الفرنسي من مالي، وصلت قوات عسكرية روسية إلى قواعد التدريب في شمال مالي لتحلّ مكان القوات الفرنسية، وقدّمت شحنات مساعدات للجيش المالي من طائرات مقاتلة من طراز «سو 25» و»إل 39 سي»، إضافةً إلى الطوافات القتالية «مي 35» و»مي 24»، وغيرها من القدرات الدفاعية، في رسالة إلى الغرب بأنّ الوجود الروسي في المنطقة يتثبّت بالشراكة الحقيقية مقارنة مع القدرات الدفاعية الضعيفة للجيوش الأفريقية حيث التواجد الغربي.

هذه الدول في غرب أفريقيا كانت عرضة لولادة ونمو وتعاظم مجموعات إرهابية، إضافةً إلى أنها كانت ملجأ للإرهابيين الخاسرين في حربهم في الشرق الأوسط، لذلك كان من السهل أو من المنطقي لأي دولة كبرى تريد توسيع نفوذها والبحث عن الثروات الطبيعية أن تدخل هذه البلاد عن طريق مكافحة الإرهاب، خصوصاً أنّ الأنظمة السياسية في هذه الدول هشّة، فكانت فرنسا من أبرز الدول التي إندفعت لمكافحة الإرهاب في هذه الدول أهمّها النيجر، بوركينا فاسو ومالي، لذلك تسعى روسيا إلى فرض وجودها وزيادة نفوذها من خلال إبراز دورها كبديل عن النفوذ الغربي.

لمواجهة التوغّل الروسي في المنطقة، يسارع الغرب إلى تثبيت وجوده في الدول الساحلية المتبقية، فقد كشفت مصادر ألمانية عن عزم الاتحاد الأوروبي على نشر ضباط وجنود لم يُحدد عددهم بعد في ساحل العاج، غانا، توغو وبنين، ضمن ما سمّي مهمة «عسكرية - مدنية» جديدة في غرب أفريقيا الخريف المقبل، وتهدف إلى تنفيذ تدريب يُمهّد لنشر عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة، وتنبع هذه المهمة من مخاوف الاتحاد الأوروبي من أن الجماعات الجهادية يُمكن أن توسّع أنشطتها في غرب أفريقيا إلى البلدان الساحلية الجنوبية قبالة خليج غينيا».

ويأتي ذلك بالتزامن مع جولة لمساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية مولي فاي، لبحث الأوضاع في النيجر مع مسؤولين في 7 دول في المنطقة، بينها الدول التي تشملها مهمة الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن زيارات متعدّدة لمسؤولين أميركيين إلى المنطقة، ما يؤكّد إندفاعة الغرب نحو غرب أفريقيا في مواجهة روسيا والصين.

ولعلّ الحالة التي تعيشها القارة الأفريقية حاليّاً، جزء من الواقع المأزوم الذي يعيشه العالم إزاء المواجهة الخجولة للإرهاب. فقد اتفق العالم على كل شيء ولكن غاب عنه شيء واحد ألا وهو ضرورة مواجهة هذا الإرهاب، فقدّم مصالحه السياسية الخاصة على مواجهة التحدّي الأهم والأبرز لهذا العالم، ممثلاً في جماعات العنف والتطرّف في مناطق الفقر وضعف الأنظمة الأمنية والسياسية، حيث تمكّنت هذه الجماعات من تقوية شبكاتها وسط الصراعات العسكرية والإنقلابات المدبّرة والمدعومة في القارة الأفريقية.

وبعدما كانت قواتها منتشرة في منطقة المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، فإنّ خسارة فرنسا لأهم مقرّ لقواتها في النيجر سيخسرها التواجد بالقرب من مصالحها الحيوية، حيث تريد باريس من قواتها أن تكون قريبة من مناجم اليورانيوم والذهب وآبار النفط والغاز في النيجر، للحماية والحراسة سواء من الجماعات الإرهابية أو القوى المناوئة للوجود الفرنسي في المنطقة. لذلك، فإنّ خسارة النيجر سينعكس على مجال الطاقة في فرنسا الذي يعتمد بشكل أساسي على اليورانيوم، خصوصاً بعد تقليص روسيا كمّيات الغاز المصدّر إلى أوروبا مع بداية الحرب الأوكرانية. فهل إعادة ضبط التوازن الدولي بين الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى في غرب أفريقيا ستؤدي إلى مواجهة إقليمية؟