رفيق خوري

أين "المجانين المفيدون" وسط العقلاء المضرّين؟

3 دقائق للقراءة

المصدر: نداء الوطن

لا شيء عاديًا وكل شيء كالعادة. لبنان ينتقل من شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة إلى واقع كل الأصوات تعلو على صوت المعركة في مواجهة الخطر الوجودي. فنحن في مأزق وطني يراد لنا تجاهل عمقه وأبعاده. وفي أزمات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية يمارس، المطلوب منهم حلها، دور الداعين إلى التكيف معها.

وليس أخطر من المأزق سوى الإيحاء أن العجز عن الخروج منه هو رأس الحكمة الوطنية والسياسية. والأخطر هو رهان العاجزين على ما ليس في يدنا لإخراجنا مما نحن فيه: مؤتمر "سيدر". صراع القوى الكبرى والمتوسطة الجيوسياسي على المنطقة وفيها. واحتمالات الإندفاع في حروب غاز ونفط ومياه وطموحات نووية تدمر أو تهمش القوى الجديدة التي أحتلت المسرح الشرق أوسطي منذ سبعينات القرن الماضي.

خلال الحرب الطويلة كان السؤال الدائم هو: لبنان إلى أين؟ لكن الموفد الفرنسي إلى بيروت وزير الدفاع ثم رئيس الوزراء بيار مسمير كان يرد على السؤال بسؤال واقعي: أين لبنان وأين يقف اليوم؟ ومن دون رؤية الحاضر يستحيل تصور المستقبل.

وبعد سنوات من توقف الحرب نظر فرنسيس فوكوياما إلى لبنان فرأى "ديمقراطية تنازلية" في نظام صارم يحتاج إلى "مرونة". وأبسط ما سجّله هو أنه "لا بديل من التعايش سوى التفاعل". لكن الواقع أن ثنائية التعايش والتقاتل المتحكمة بنا منذ الإستقلال تضعنا في محنة كبيرة. فنحن نتعايش ونتجاوز التعايش لغويًا إلى العيش المشترك الواحد من دون الوصول إلى تجاوز الطائفية بما ينقلنا من سلطة الطوائف إلى دولة المواطنين. ومتى؟ بعد آلاف السنين من توصيف أرسطو للدولة بأنها "جماعة مواطنين عاقلين أحرار، لا جماعة مؤمنين". ونحن نتقاتل من دون الوصول إلى ثورة تغيّر النظام إلى الأفضل وحتى إلى الأسوأ.

ونحن، في الحالتين، نسير في طريق إنحداري، ونربط مصيرنا بالتطورات الأقليمية والدولية. فالديموقراطية التنازلية صنعت سلطة لا تستطيع حتى جلب متهمين أو شهود إلى القضاء بل تفاوض الزعماء على تسليمهم وتسلّم بتعطيل مجلس الوزراء. والأزمة ليست تعطيل الحكومة بحجة تلافي الإنفجار بل هي الظروف والحسابات والمحاصصة التي قادت إلى هذه الحكومة وقبلها إلى الفراغ الرئاسي، وفرضت الإمتناع عن الإجتماع بدل الإجتماع لتسوية الأزمة.

وإذا كان هذا الضرر من صنع العقلاء، فما أحوجنا إلى من كان لينين يصفهم بأنهم "المجانين المفيدون". وقديماً قال القديس أوغسطينوس: "دولة بلا عدالة تصبح عصابة شذاذ".