رمال جوني -

شارع النبطية انفجر ثورة: "حقّنا نعيش"‬

4 دقائق للقراءة
النبطية استعادت زخم تحركات الشارع

إنفجر الشارع كما كان متوقعاً، فالغلاء الذي أصاب بحممه كل الناس، قضّ مضاجع الجميع، أوقعهم في أتون الحرب الإقتصادية التي يبدو أن انعاكاساتها ستكون أخطر من حرب كورونا.

لم يعد هناك مكان للإجراءات الوقائية في منطقة النبطية، أقلّه من قبل المواطن الذي بات يخرج، بلا كمامة وكفوف، ضارباً بعرض الحائط، مخاطر إنتشار الفيروس. صحيح أن الفحوص العشوائية التي أجرتها وزارة الصحة لم تعط أي نتيجة إيجابية، لكن ذلك لا يعني وفق قاسم طفيلي "أن كورونا بعيد المنال، فما تشهده المنطقة من تراخ وتجمّعات شبابية ليلاً في الطرقات، وأخرى في الأماكن العامة وعند أبواب المصارف، يشي بخطر داهم، قد لا تُحمد عقباه".

فرط عقد التعبئة العامة، فما تشهده النبطية وقراها من أزمات خانقة، دفعت بالناس الى الشارع مُجدّداً، بات الشارع برأي حسن "ملاذ التعبير الوحيد، ووسيلة ضغط فاعلة تجاه السلطة الفاسدة"، فالغلاء وأتباعه حرّضهم للإنقلاب على الوضع، فالأسعار تهبط بالباراشوت عليهم، موجع وطؤها عليهم، بدا ذلك جلياً من صرخات العمال في مسيرتهم الحاشدة التي شهدتها النبطية، فالتظاهرة التي جمعت جيش العاطلين عن العمل، في إعتبار أن كل العمال فقدوا عملهم ومصالحهم، جاءت رد فعل أولياً على الترهل المعيشي الذي أصابهم. رفع أحدهم رغيف خبز بات صعب المنال، وآخر سأل: أين نقابة العمال، فيما كانت صرخة أبو حسين تحكي الوجع "بيكفي يا زعما، سرقتونا، نهبتونا،30 سنة من الذلّ، 30 سنة من ممارسة إضطهاد وسرقة، وصلتونا نشتهي الرغيف، وإنتو على أموالنا قاعدين".

تأتي صرخة أبو حسين من رحم معاناته القاسية، خسر عمله بسبب الأزمة الإقتصادية، بات يستدين ليعيش، "كيف سأردّ الدين، لا أعمال، لا مؤسسات، الكل يقفل أبوابه، الدولار يحلّق، ومعه الأسعار، شو ناطرنا بعد؟"

منذ ما يقارب الشهرين لم تخرج تظاهرة حاشدة في النبطية، خرجوا ليقولوا "لا" لسياسة الغلاء، لوضع حد للعبة الدولار، رفعوا أحلامهم على أكفّهم وساروا في طرقات النبطية، لا تختلف أوجاعهم عن أولئك الملتزمين منازلهم، فالدولار يرخي بظلاله على الجميع.

إستعادت النبطية زخم تحركات الشارع، فالجوع وحَّدَ الناس المنتفضين أكثر، أعادهم للمواجهة، بأسلحة الرفض الفتّاكة هذه المرة، فإذا كانت ضريبة الواتساب صنعت إنتفاضة 17 تشرين، ستكون سياسة الجوع محرّك إنتفاضة أيار، ومتوقعاً، أن تأخذ منحى تصاعدياً مع الأيام، إذ تأخذ ثلاثة أبعاد، شبابية، إجتماعية، وعمالية، والكل يتحرّك ضمن فلك مطالبه، وإن إلتقوا عند نقطة "إستعادة المال المنهوب، وإعادة ضخه في السوق لتحريك العجلة الإقتصادية".

يرفض المحتجون نظرية الإستدانة من البنك الدولي، فهي وفق رؤية الشباب "توقعه في فخ التبعية للخارج، وتجعل أحلامهم هباء منثوراً".

يُبدي الشباب رغبتهم في تصعيد تحركاتهم الليلية، منذ أيام ويخرجون في تظاهرات إحتجاجية ضد مصرف لبنان ومصارف النبطية، ويؤمنون بعنف الثورة، فوفق شادي، "السلمية باتت تخدم السلطة، وتخدم الطبقة الفاسدة، على عكس العنف الثوري، فهو يوجعهم، يشعرهم بأن هناك من يتحرّك خارج سربه، ويضعهم على خانة المحاسبة المباشرة، وأخذت تتجسد بشعارات من نوع لعيونك علي شعيب منفذ عملية بنك أوف أميركا 18 ت1 عام 1973 "، يجزم شادي ان "التصعيد هو الحل، إنطلاقا من قاعدة التراخي ما بيصلح بلد"، ينطلق من نظرية "سياسة القطيع، وجلاد السلطة"، يؤكد "أن الشعب إعتاد على السير بسياسة القطيع لسنوات، الى أين وصلنا، للجوع، للإفلاس، للبطالة، لغلاء فاحش، لدولار يتحكّم بالعباد، لمصلحة طبقة سياسية أشبعتنا وعوداً كاذبة ثلاثين سنة".ضمن خطين تسير تحركات النبطية، شبابية توجّه ضغطها بإتجاه المصارف وتركز تحركها أمام مصرف لبنان، وحراك النبطية الذي يحتجّ على سياسة الغلاء. برأي محمود شعيب "المجتمع يقف عند منعطف خطير، تتلاطم أزماته بأمواج الأسعار العاتية، فاقت قدرة المواطن الشرائية".

يجد عباس صعوبة في شراء كيلو عدس فكيف بكيلو لحمة تجاوز الـ36 الف ليرة، رغم صعوبة حياته يرفض المقاطعة، يرفض أن يصبح قوة ضغط في مواجهة آلة قتله اليومية بالغلاء، حوّل نفسه لقمة سائغة للتجار، ممّن يسجلون أرباحهم اليومية على حسابه، طالما لم يعترض، ولم يقاطع، بل يمضي في الشراء.

ما زاد في الطين بلة أنه يواجه الفقر بصدر رحب، يدخن نرجيلته، لم يقاطعها رغم غلاء المعسل، فهي التي تمدّه بالصبر بحسب أحدهم، فهل ستكون الثورة المقبلة نابعة من إنقطاع المعسل؟