رواد مسلم

المعركة الحاسمة ستحصل قرب ميليتوبول

5 دقائق للقراءة
الجيش الأوكراني يُحقّق تقدّماً ميدانيّاً على الجبهة الجنوبية (أ ف ب)

قارب الصيف الثاني للحرب الروسية في أوكرانيا على الإنتهاء مع تغيير للاستراتيجيات العسكرية الأوكرانية، وإرتباك روسي بعد وصول الهجمات العدوّة إلى العمق الإستراتيجي، ودعم غربي متزايد بالأسلحة النوعية للجيش الأوكراني، آخرها عزم الولايات المتحدة تقديم ذخائر خارقة للدروع تحتوي على اليورانيوم المنضب، تستخدمها دبابات أبرامز «أم 1 أي 1» الأميركية التي ستحصل عليها أوكرانيا (31 دبابة) في أوّل الخريف، فضلاً عن الإيجابية الألمانية بإرسال صواريخ جو - جو «كروز» من طراز «توروس» الدقيقة وذات المدى الأقصى 500 كلم ورأس متفجّر بوزن 400 كلغ، والصواريخ البعيدة المدى المقدّمة من فرنسا وبريطانيا، إضافةً إلى الإبتكار الأوكراني الجديد للصواريخ البعيدة المدى التي تُهدّد العمق الروسي بعد نجاح تجربة إطلاق صاروخ من كييف ليُصيب هدفه في دونيتسك المحتلّة بدقة على بُعد 700 كلم.

أمّا ميدانياً، فإنّ التركيز الأوكراني يتمحور جنوباً في مقاطعة زابوريجيا، حيث تمكّنت القوات الأوكرانية من السيطرة على قرية روبوتين الإستراتيجية (خط الدفاع الروسي الأوّل)، وتتجه إلى مدينة توكماك التي تبعد 20 كلم عن الجيش الأوكراني المهاجم حتى الآن، والتي تتضمّن شبكة مواصلات مهمة في اتجاه مدينتي ميليتوبول وبيرديانسك الأوكرانيتين الواقعتين جنوباً على بحر آزوف وتخضعان للسيطرة الروسية. ويهدف هذا الهجوم الأوكراني المضاد في هذا المحور إلى عزل شبه جزيرة القرم لوجستيّاً من خلال تجزئة القوات الروسية وقطع طرق الإمداد البري، ما يضعف القوات الروسية المتمركزة في القرم ويصبح إسترجاعها سهلاً، أو إجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التفاوض لإنهاء الحرب بعد التنازل عن الأراضي المحتلّة منذ شباط 2022 والإبقاء على القرم، لأنّها منطقة إستراتيجية مهمة لموسكو في حروبها المستقبلية.

بنى الجيش الروسي ثلاث خطوط دفاعية تتفاوت قوتها، ومتباعدة عن بعضها البعض بما لا يقلّ عن 20 كلم، فعمق الخط الدفاعي الأوّل في زابوريجيا يتراوح بين 4 إلى 5 كلم، مكوّن من حقول ألغام مضادة للدبابات والأشخاص بإجمالي 5 عبوات للمتر المربّع الواحد، وموانع إسمنتية، ومواقع دفاعية مموّهة متمركزة على محاور تقدّم المدرّعات المحتملة ومعزّزة بأسلحة مضادّة للدروع لصدّ أي تقدّم مدرّع أوكراني، إضافةً إلى الخنادق والسواتر والأعمال الهندسية لعرقلة تقدّم المدرّعات. وبالتالي، فإنّ إختراق الخط الدفاعي الروسي الأوّل الأكثر تحصيناً يعتبر إنجازاً بيّن نجاح الإستراتيجية الجديدة، وقدّم للجيش الأوكراني ميزة عسكرية على عدوّه، وأجبرت القوات الروسية على التراجع إلى حدود خط الدفاع الثاني الأقلّ تحصيناً.

إنّ تجميع الجيش الأوكراني لقدراته الهجومية على محور واحد بدلاً من نشرها على كامل الجبهات، مكّنه من إحداث الثغرة التي يُريدها، ويبدو أنّ التكامل الأرضي - الجوّي يُساعده في التقدّم، إذ إنّ الطوافات القتالية الأوكرانية تتمكّن من ضرب المواقع الدفاعية الروسية المتقدّمة، إضافةً إلى حماية الدبابات والمشاة المهاجمين. وبالطبع المعركة الآن هي تصادمية بين الدبابات الروسية والأوكرانية، ما يُحتّم على جميع العناصر الأخرى خدمة الدبابات الأوكرانية وحمايتها ومساندتها، وتأتي دبابات «أبرامز» الأميركية في وقت القوات المدرّعة الأوكرانية بأمسّ الحاجة إليها، خصوصاً الذخائر التي تحتوي على اليورانيوم المنضب التي ستقلب ميزان القوى لصالح الجيش الأوكراني في الهجوم المضاد وضمن هذا المحور بالذات، فهي ذات قدرة تدميرية كبيرة، إذ يُمكنها إختراق الدبابات الروسية وإحراقها، حتّى إن كانت متطوّرة.

أمّا ما هو مهمّ لاستكمال نجاح الهجوم المضاد في محور زابوريجيا، هو تقديم العدد الكافي من الدبابات الأميركية لمساندة الدبابات التي تستخدمها أوكرانيا المقدّمة من الغرب، فالخط الدفاعي الثاني الروسي سيتضمّن أعداداً كبيرة من الدبابات، وإنّ عدد 31 دبابة «أبرامز» لا يعتبر كافياً، فبالرغم من زيادة قدرتها على تدمير الدبابات الروسية، لكن تبقى قدرة صدّ المدرّعات الأوكرانية لصالح الجيش الروسي، الذي يملك أعداداً كبيرة منها وسيستخدمها في الأراضي المفتوحة جنوبي زابوريجيا.

الملفت في المعركة الجارية الآن، هو إستخدام القائد العسكري الأوكراني لكافة العناصر الهجومية بشكل يخدم الهدف الأساسي الذي هو الوصول إلى ميليتوبول، الأمر الذي يُمكن أن يكون نتيجة الدروس المستقاة من المعارك الماضية. لكن الوقت يمضي نحو الشتاء في زابوريجيا، فالأراضي الموحلة لا تخدم الدبابات، والرؤية السيّئة تُضايق الطوّافات والمسيّرات الإستعلامية، فمِن المرجّح أن يُقاوم الجيش الروسي بكافة الوسائل لتمرير الصيف من دون التراجع إلى الخط الدفاعي الثالث، وبالتالي الحرب في الأيام المقبلة ستكون ضارية وأشدّ تدميراً، لكنّها ستكون حاسمة إذا تمكّن الجيش الأوكراني من الوصول إلى ميليتوبول.