رمال جوني -

"شحادة مشروطة" على أبواب المصارف في النبطية... وأحلام الشباب "تبخّرت"

5 دقائق للقراءة
معاناة أخرجت حراك النبطية الى الشارع

عادت الحياة إلى طبيعتها في النبطية، زحمة في شوارعها، حركة باعة، صالونات الحلاقة فتحت أبوابها وكذلك عدد من المحال، وإن فضّل البعض الإستمرار في الإقفال. لم يأبه الناس لتسجيل حالة "كورونا" في المدينة من وافد من أفريقيا، وظهور عوارض على زوجة إبنه وحفيده.

صحيح أن البلدية والقوى الأمنية رفعت آلية التشدّد في حركة السير، حرصت على التشديد في التحرك، غير أن المشهد أوحى بأن الحياة تسير بشكل طبيعي وكأن لا "كورونا" في الأفق، فالبحث عن لقمة العيش يُشغل بال المواطن أكثر من انشغاله بـ"كورونا"، إذ يخشى الجميع الإنفجار المعيشي.

أخَّرت "كورونا" الإنفجار الإقتصادي لأشهر، فلا شيء يوحي بأن الأمور على ما يرام، لعلّ مشهد تزاحم الناس أمام أبواب المصارف يشي بأن هناك كارثة مقبلة، ما زالت المصارف تُمسك برقاب المودعين، فرغت الصرّافات الآلية من الأموال، وتركت المواطن يواجه الأزمة من دون مبرّر. شهدت مصارف النبطية إزدحاماً كبيراً، ومشادّات كلامية كادت أن تتطوّر إلى شجار، لا سيما مع تمَنُّعها عن دفع الأموال للناس بحجة "ما في مصاري متوفّرة حالياً"، الامر الذي أثار حفيظة الناس وحدا بهم للصراخ "بيكفي تتلاعبوا بأموالنا، المصاري إلنا وبدنا يّاها".

غضب الناس لم يلقَ تجاوباً من إدارات المصارف، تصرَّف موظفوها وكأنّ شيئاً لم يكن، وفق أبو عيسى "تحاول المصارف أن تُطبّق سياسة شحادة ومشارطة، توهمنا بأن لا سيولة، وعلينا تقبّل الوضع".

عند أبواب المصارف، طوابير من المواطنين، بعضهم إلتزم بالكمّامة، والبعض لم يبالِ بالخطر. الغضب يسيطر على الوجوه، ساعات طويلة من الإنتظار، ريثما يتمكّنون من إنجاز معاملة أو الحصول على بطاقة إئتمان، "مين وصّلنا لهون؟" يسأل أحدهم، فيما يُبدي آخر رغبته في إقفال باب المصرف، لا يمكن ضبط إيقاع تصرّف المواطن، يقع تحت وطأة ظروف قاسية، "وآخر شي بقولولنا فضي الصرّاف الآلي".

لعلّ معاناة الناس اليومية أمام المصارف هي من أخرجت حراك النبطية الى الشارع، رفضاً لسياسة الذلّ الحاصلة، سار في مسيرة رفضاً لسيطرة المصارف على أموال المودعين، أعلن شرارة بداية ثورة جديدة، ضد الغلاء وضد المصارف، لا يُخفي محمد ترحيني خوفه من توتّر الوضع المعيشي، هناك من بدأ يأكل من القمامة، واقع مؤلم يواجه المواطن".

الضغط التصاعدي

يبدو أن تحرّك المحتجّين اليومي يتجّه الى أخذ منحى "الضغط التصاعدي"، ينطلق الحراك من مبدأ "ما أُخذ بالسرقة لا يُستردّ إلا بالضغط"، يصوغ رؤيته التصعيدية بدقّة، يضع لبنة متجدّدة لتحركاته، يسعى لكي تكون هادفة أكثر كقوّة ضغط لا بدّ منها، وفق محمود شعيب "نواجه تحدّيات صعبة، والإصلاحات شبه غائبة، التضخّم بلغ ذروته، وحتى الساعة لم تتبلور الرؤية الإصلاحية الإقتصادية، أقلّه بإقفال محال تتلاعب بالأسعار، أو مصارف تحجر أموال الناس"، برأيه "تسارع الأحداث مدّنا بصك تحرّك شرّعته سلطة الغلاء والفساد لنقفل مغارة علي بابا".



طوابير من المواطنين عند أبواب المصارف



لا شك في أن الشلل الإقتصادي بات يهدّد حياة الناس، والتدهور المعيشي يضعهم على كفّ الأزمة من دون منازع، إذ يكتنف الخوف حياتهم، يومياتهم المهدّدة بالغلاء أكثر، أعمالهم. فالذين شرّعوا أبواب محالهم بفعل قرار عودة الحياة لطبيعتها، كانوا قلة، ففرق الدولار حال دون فتح تجّار كثر مصالحهم ومحالهم التجارية، "الناس ما معها مصاري لمين بدنا نفتح؟" تختصر هذه الجملة واقع الحال المتردية في منطقة النبطية. تعيش المدينة والمنطقة أسوأ أزمة في حياتها، أسهم في تفاقمها غياب نظام الصناعة والزراعة داخلها، منذ زمن والمنطقة تعتمد الإقتصاد الريعي، أي التجار والإعتماد على أموال الإغتراب، وأهملت الزراعة لصالح قطاع البناء، فيما الصناعة غائبة لغاية في نفس يعقوب السلطة. كل هذه العناصر أدّت الى أزمة معيشية خطيرة تهزّ كيان أبناء المنطقة، وزادت من حدّتها أزمة كورونا التي حملت مزيداً من التدهور وإقفال مؤسسات عدّة.


في شوارع النبطية، وحدهم باعة العصير أكثر حضوراً، إختاروا المهنة البسيطة على الجوع، باتوا ينتشرون في كل زاوية، لسان حالهم "الوضع صعب وما في مصاري"، ينتظر هؤلاء زبوناً عابراً يشتري قنينة عصير بـ5000، هم قلّة، فالناس تخلّت عن كثير من عاداتها في هذا الشهر، تفضّل المياه على شراء عصير. يرى الشبان، وهم أكثر حضوراً في هذا العالم، "أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فلا مهرب من الجوع، بات على قاب قوسين أو أدنى، أيقن الشباب أن أحلامهم تبخّرت، وأن سياسة بناء مستقبلهم ضاعت في غياهب سلطة ما زالت تتصارع على تقسيم الحصص، لا على تدعيم الاقتصاد. ملامح الإنزعاج ترتسم على وجوه الشباب "شو بدنا نعمل ننتظر ساعات طويلة بالكاد نبيع قنينة تؤمّن لنا ربطة خبز"، هذا ما يقوله محمد، شاب خرج أخيراً لبيع العصير، إنتفض على البطالة بعمل بسيط، لكنه إصطدم بعدم قدرة الناس على الشراء، يواجه محمد الظروف القاسية بالصبر، يعوّل على متغيّر في السياسة، أو ربما في الإقتصاد، وأن يلغي من قاموسه فرضية أن الوضع يتدهور بسرعة، ولن يجد المواطن متسعاً من الوقت لمواجهته، وبرأيه "اليوم نبيع العصير ولكن ماذا عن الغد؟ للأسف مجهول وهذا ما يخيفنا...".