قسوة الواقع تفتح طريق اللجوء الى الخيال الذي يراه آينشتاين «أهم من المعرفة». وليس غريباً أن يرى الرئيس إيمانويل ماكرون في الواقع اللبناني التراجيدي ما يذكّره بأسطورة سيزيف وصخرته في التراث الإغريقي. الغريب أنه لا يزال يراهن على معجزة لإخراج لبنان من مأزق الشغور الرئاسي الذي هو عنوان مأزق أعمق وأكبر. معجزة في مهمة مستحيلة كانت مجرد ممارسة لتطبيق الدستور، بحيث يتصور ماكرون أن موفده المخضرم جان إيف لودريان هو «سيزيف سعيد سيجد طريقاً سياسياً».
سيزيف في الأسطورة كان معاقباً من الآلهة ومحكوماً بالفشل. كان عليه أن يصعد بصخرة كبيرة من الوادي الى قمة الجبل، وكلما اقترب من القمة تتدحرج الصخرة الى الوادي ليعود من جديد الى رفعها. لودريان في الواقع ليس أسير حكم مبرم بالفشل، وسط عقبات كبيرة أمامه. لكنه لم يستطع عملياً أن يزحزح صخرة الرئاسة متراً واحداً. أسطورة سيزيف رمز للتحدي والعبثية في آن. وفي مهمة لودريان شيء من التحدي والعبثية.
ذلك الموفد الرئاسي الفرنسي يقف على الأرض ويحاور قادة صعد كل منهم الى رأس شجرة عالية. وما يدور من فوق رؤوس الأشجار ليس حواراً بل سجال. وليس حتى نوعاً من التفاوض الذي يقول الجنرال ديغول أنه «لا أحد يذهب إليه للتوصل الى خلاصة بل للحصول على شيء ما». ولا شيء يوحي أن ساعة النزول من فوق الأشجار تقترب او أنها أصلاً ستدق، وإن قيل إن أصحاب السلالم جاهزون لمدها تسهيلاً لنزول الذين يتصرفون كأنهم «أنصاف آلهة» مكلفون مهمات أكبر من لبنان ورئاسته وتسوية أزماته المالية والإقتصادية والإجتماعية، وحتى تأمين الدواء للأمراض المستعصية والمازوت والفيول للإدارة والكهرباء.
ومن الوهم تجاهل الأدوار الداخلية، ولا سيما دور القوى التي أصرت على تعطيل الإنتخاب من البداية في رهان على الوقت والضغوط لجمع الأصوات اللازمة لمن «يحمي ظهرها». والوهم الأكبر هو الإتكال على الأدوار الخارجية وحدها، والتصرف كأن القوى الخارجية تنام بلا عشاء إذا بقي الوطن الصغير بلا رئاسة. فالخارج يلعب بنا من حيث نتخيل اننا نلعب معه. وهو لا يتحرك جدياً إلا اذا كان في الوضع اللبناني ما يضمن مصالحه او ما يهددها. فضلاً عن أنه يرى اللبنانيين الذين يقولون إن الوضع لم يعد يحتمل الفراغ، يتكيفون مع الفراغ ويتحملون المزيد من الإنهيار.
وليس خارج المألوف أن تتعدد الرهانات في لبنان وتتبدل مع أي تطور في المنطقة والعالم. رهان على الدور الفرنسي تحت عنوان التكيّف الأميركي والسعودي له. رهان على الإتفاق السعودي-الإيراني في بكين. رهان على دور «الخماسية» العربية والدولية. رهان على الدور القطري باسم «الخماسية». والإنطباع السائد حالياً، وسط اللعب بالحوارات الداخلية لتغطية التعطيل، هو انتظار حوار آخر: حوار أميركي-إيراني. ومنطق المراهنين على الحوار الآخر هو أن مفتاح الرئاسة في واشنطن وطهران. وحين تبحث إيران عن صفقة، فإنها تختار عقدها مع أميركا القادرة على إعطائها ما لا تملكه ولا تستطيعه أية دولة أخرى في المنطقة والعالم.
ما نحتاج اليه، قبل اي شيء، بعدما بهدلنا اللغة في السجلات هو تطبيق ما دعا اليه كونفوشيوس: «إعادة المعنى الى الكلمات».