جاد حداد

Burning Body... لا يرقى إلى مستوى الأعمال الوثائقية

4 دقائق للقراءة

بدأت شبكة «نتفلكس» تعرض دراما مؤلفة من ثماني حلقات بعنوان Burning Body (الجثة المحروقة)، وهي مستوحاة من أحداث حقيقية على صلة بمقتل بيدرو رودريغيز في برشلونة، في العام 2017. لكن رغم تمسّك العمل بالشخصيات الرئيسية في تلك القضية، يحمل السيناريو في معظمه جانباً خيالياً خدمةً للعوامل الدرامية. يشمل المسلسل تحولاً مفاجئاً، فهو يصوّر روزا بيرال كشخصية شريرة، بما يتعارض مع التعاطف الذي تثيره لدى المشاهدين في الوثائقي Rosa Peral’s Tapes (تسجيلات روزا بيرال) الذي بدأت «نتفلكس» تعرضه في اليوم نفسه.

يتمحور عامل الغموض في المسلسل الجديد حول مقتل «بيدرو» واكتشاف جثته المحروقة في الغابة بطريقة مريعة. سرعان ما يتبيّن أن جريمة القتل تم التخطيط لها بدقة، حيث تكون «روزا» العقل المدبّر وراءها و»ألبرت» شريكها. يحتفظ المسلسل بالأسماء الحقيقية للأفراد المتورطين في الجريمة (روزا بيرال، ألبرت لوبيز، بيدرو رودريغيز)، ما يضفي طابعاً واقعياً مريباً على القصة المعروضة. لكن على عكس القضية الحقيقية، حيث كانت «روزا» متورطة مع «روبين»، يحمل شريكها السابق اسم «جافي» في المسلسل، وهو ضابط شرطة آخر يعمل تحت إمرة «موسو». من خلال تقديم هذه الشخصيات المرتبطة بسلك الشرطة، ينجح المسلسل في عرض عالم محبوك بإتقان لتجسيد أجواء وكالات إنفاذ القانون وتسليط الضوء على شوائبها وفسادها. مع تقدّم الأحداث، يتعامل المسلسل أيضاً مع دوافع كامنة عدة، وعلاقات «روزا بيرال» المعقدة، وأسرار حياتها، ما يجعل القصة جاذبة لمحبّي الجرائم الغامضة المستوحاة من أرض الواقع.

قد تتأثر طريقة تعامل المجتمع والنظام القضائي مع القضايا التي تشمل النساء بالمفاهيم المسبقة والمنحازة حول عفة المرأة. في حالة «روزا»، تطغى علاقاتها مع عدد من الشركاء أحياناً على أهمية جمع أدلة قوية، ويتضح هذا الجانب بقوة في المسلسل. في النسخة الخيالية من القصة الحقيقية، تُعتبر «روزا» مذنبة، وهذا ما يبرر الحُكم عليها بالسجن لمدة طويلة في النهاية. لكنّ هذا الحُكم يطرح سؤالاً مهماً: هل يهتم المسلسل فعلياً بالحقيقة الكامنة وراء جريمة القتل؟

من الضروري أن نتساءل إلى أي حد كانت تصرفات «روزا» نابعة من نوايا إجرامية. أو هل يمكن أنها تأثرت في مرحلة معينة بمشاعر مثل الخوف، أو اليأس، أو الإكراه؟ تذكّرنا هذه القضية بأهمية إجراء تحقيقات عادلة وعميقة لا تقتصر على التدقيق بحياة الناس الشخصية. يُفترض أن ترتكز العدالة على أدلة ملموسة وتحليل دقيق للوقائع بدل الانجرار وراء الانحيازات الاجتماعية أو الفرضيات المتعلقة بشخصية الفرد والمبنية على علاقاته مع الآخرين.

يميل عدد كبير من المسلسلات الإسبانية على «نتفلكس» إلى اتخاذ منحىً درامياً مبالغاً فيه لدرجة أن يمنعنا أحياناً من الاستمتاع بالقصة. يدخل المسلسل الجديد في هذه الخانة أيضاً. تستحق أورسولا كوربيرو بدور «روزا» الإشادة على أدائها اللامع، ويتميز العمل في الوقت نفسه بالإخراج الذي يحرك الكاميرا بطريقة تدفع المشاهدين إلى التفكير بما يشاهدونه. لكن لا يرقى السيناريو إلى المستوى نفسه، فهو يميل إلى اتخاذ منحىً ميلودرامياً مفرطاً، بما يشبه المسلسلات اللاتينية الطويلة حيث تسرق امرأة فاتنة الأضواء من الجميع بسبب تكتيكاتها الدرامية المبالغ فيها.

يملك المخرج حتماً حرية تشكيل الشخصيات وتوجيه السيناريو بطريقة مبتكرة، لكن كان من الأفضل أن تبدو القصة أكثر اختصاراً ووضوحاً منذ البداية. يفضّل صانعو العمل عرض أحداث معقدة ومتداخلة قد تحيّر المشاهدين. وحتى الأشخاص المطّلعين على القصة الحقيقية التي يعرضها الوثائقي قد يرتبكون ولا يعرفون إذا كانوا يشاهدون التطورات الحقيقية أو تفسير المخرج للأحداث.

يعرض المسلسل نهاية مقنعة رغم كل شيء، لكن كان يمكن أن يستفيد من مقاربة مباشرة وأكثر تعقيداً. يحمل العمل جوانب واعدة كانت لتسمح له بتقديم محتوى قوي، لكن كان يُفترض أن يجد إيقاعاً أكثر توازناً ويصل إلى نهاية مؤثرة. وبما أن صانعي العمل أعطوا أنفسهم حرية التلاعب بالقصة الحقيقية، كانوا يستطيعون استعمال تلك الحرية لعرض نهاية مفاجئة ومثيرة للاهتمام.

لكن تتعلق المشكلة الحقيقية بعرض كامل القصة في الوثائقي خلال اليوم نفسه، لذا يصعب أن يجذب العمل انتباه المشاهدين حتى النهاية. كان المسلسل ليستفيد حتماً من عناصره الخيالية لبلوغ نهاية استثنائية ومبتكرة، فيجعل المشاهدين يفكرون بمسائل غير متوقعة. لكن فوّت صانعو العمل هذه الفرصة للأسف ولم يستفيدوا من القصة الواعدة لتقديم نهاية يسهل أن ترسخ في ذاكرة الناس.