بات يرضى المواطن بالقليل، تقلّصت متطلباته اليومية، لم يعد يطمح لأكثر من تأمين طعامه، ربما هذا ما حدا بالعمّ إبراهيم فقيه الى تحدّي سنّه السبعين، ويبيع العصير، في ظل ظروف إقتصادية صعبة دفعته ليواجه فقره بقنّينة عصير ليمون عند مثلث النبطية كفررمان. يقف العم إبراهيم فقيه أمام بسطته لبيع الليمون، يتحدّى عمره ليعمل كفاف يومه، ويعين نفسه وزوجته المريضة، ولو بـ20 ألف ليرة في اليوم، وأحياناً لا يبيع.
فضّل العم إبراهيم العمل بعرق جبينه على "مدّ يده للناس"، يمضي ساعات من نهاره مُنتظراً زبوناً، يشتري قنينة عصير بـ3000 ليرة، وقد لا يأتي، فالقلّة ضربت جيوب الناس، وتخلّى كثر عن العصير. ومع ذلك يثابر في عمله، من دون كلل أو ملل، يُدرك أن الأوضاع تتجه نحو الأسوأ، وأن ما ينتجه لا يكفي أجرة منزله بـ350 ألف ليرة، ومع ذلك يؤكد مضيّه في عمله، على قاعدة "القعدة ما بتطعمي خبز".
يُفضّل العم ابراهيم القليل على اللاشيء، يخاف من الأسوأ، ومن عجزه عن تأمين ثمن أدوية زوجته المزمنة، يدعو الله ليمدّه بالقوة، وإن كان التعب يبدو ماثلاً على وجهه. يُحضّر الليمون ويعصرها كمن يعصر معاناته اليومية مع ظروف قاسية، يصبّها في قناني بلاستيكية تمهيداً لبيعها، بات العمل طقسه اليومي، يهرب منه الى طاقة أمل، وإن كان على يقين أنه "ما في شي ظابط". يتحدّث عن واقعه بحرقة، هو الذي لم يبق له شيء غير بيع العصير، يُكافح من أجل لقمة باتت صعبة المنال، يقتنع أن "الرزقة ع الله"، ولكنه يسأل:"أين نحن من دولتنا العتية؟"
يُدرك العم ابراهيم حجم الأزمة، يرى أن الأوضاع تتدهور بسرعة، لم يمرّ عليه وضع مماثل، عايش الأخير الثورات والانتفاضة المعيشية التي شهدتها النبطية في الخمسينات، شارك في بعضها، يقول: "كانت الناس يداً واحدة في الدفاع عن لقمة عيشها، اليوم خسروا مصادر رزقهم ومع ذلك لم يتحرّكوا". يفقه أبو علي بأمور السياسة والاقتصاد، فهو مُطالع نهم، يعشق المعرفة، يُمضي وقت فراغه، إما في المطالعة او في الإستماع الى التحليلات السياسية.
لم يتقاعد العمّ ابراهيم، كما في دول العالم، ما زال يكافح في بلد لم يقدّم له ضماناً تقاعدياً، ما زال يبيع العصير على الطريق، يتحدّى ظروفه بقنينة عصير بـ3000 ليرة لبنانية، رأفة بالناس وبحاله. يعتبر عمله تحدياً لمواجهة ظروفه القاسية، فالقلّة دفعته ليعمل، من دون انقطاع، ليقف ساعات عند بسطته يعصر الليمون، رفضاً لمد اليد، وفق قوله "بساعد حالي وبساعد الناس".
يرى السبعيني في عمله فرصة لمواجهة الغلاء، صحيح أن ما ينتجه لا يتجاوز الـ30 ألفاً، ولكن أفضل من "الشحادة"، يعتب على دولته التي أهملت شيخوخته، ولم تقدّم له ضماناً تقاعدياً، ومع ذلك يُثابر في عمله، يرى انّه يسدّ له خابية من خوابي الغلاء والشحار، هو الذي يعرف جيداً معنى القلة، وان تفقد المال من جيبك، وهو الذي يُقدّم أيضاً نموذجاً عن كفاح اللبناني في هذه الحياة، في وقت تتوفر للبعض الآخر كل المقوّمات، "يلي بدو يعيش بهالبلد بدو يكون تبعي وإلا بيواجه مصيرو بصعوبة".