الخفافيش تساعدنا على تجنّب الوباء المقبل

02 : 00

الخفاش هو الحيوان الثديي الوحيد الذي يستطيع الطيران، وقد طوّر مجموعة متنوّعة من الخصائص الفريدة من نوعها، فبات جسمه قادراً على التكيّف مع التحدّي الجسدي الذي يتعرّض له حين يضطر للرفرفة ليلاً. يسمح امتلاك هذا الجسم القوي بتراجع خطر التعرّض لأي عدوى مزعجة. بالنسبة إلى الأجناس التي تفتقر إلى هذا النوع المبهر من أجهزة المناعة، مثل البشر، قد تصبح كل مجموعة من الخفافيش كتلة محتملة من الأمراض الكارثية نظراً إلى قدرتها على تحمّل ميكروبات قاتلة.

قد تبدو هذه الفكرة بسيطة، لكنّ الفرضية القائلة إن الخفافيش التي تحمل العدوى قد تسبّب أوبئة مستقبلية تفتقر حتى الآن إلى نظرية متماسكة، ما يُصعّب تصميم نماذج دقيقة تسمح بطرح أسئلة تساعدنا على الاحتماء من تفشّي الأوبئة التي تنقلها أجناس أخرى.

لهذا السبب، راجع باحثون من الولايات المتحدة وكندا البيانات المتاحة عن هذا الموضوع لتطوير إطار عمل يسمح لهم بتصميم نموذج عن نموّ الفيروسات وانتشارها وسط الخفافيش أو بين الخفافيش وثدييات أخرى.

تحمل الخفافيش سمعة سيئة عموماً، فهي تُعتبر خزاناً لمسبّبات أمراض خطيرة، لكنها لا تستحقّ هذه السمعة بالضرورة. قد تكون جائحة «كوفيد-19» تجربة مأسوية على نحو خاص، فهي جاءت لتذكّرنا بما يمكن أن يحصل إذا وصل فيروس تتقاسمه الخفافيش إلى البشر، وتؤكد أمثلة أخرى على هذه العواقب. لكن بعيداً عن التعميمات المبهمة، يمكن استخلاص دروس مفيدة من علاقة الخفافيش بالفيروسات، فنحدّد بذلك العوامل التي يُفترض أن نحذر منها لدى الأجناس الأخرى.

لتوقّع التهديدات التي يطرحها تفشّي الفيروسات بين مختلف الأجناس، ترتكز نظرية شائعة على مستوى الترابط بين تلك الكائنات الحية.

يسهل أن تنتقل الميكروبات المنزلية داخل جسم الإنسان إلى شخص آخر، لكنها لن تخرّب على الأرجح عمل الجسم المضيف. في المقابل، يجد الفيروس المنبثق من حيوان ذي صلة بعيدة بالبشر صعوبة متزايدة في الاستقرار داخل جسم الإنسان، لكنه ينشر الفوضى بعد استقراره. تُركّز نظرية الباحثين في هذا المجال على وجود قوة تحمّل معينة ضد العدوى.

لا تتجاوب جميع الأجسام المضيفة بالطريقة نفسها مع مسبّبات الأمراض. تصدّ أجهزة المناعة المختلفة بعض مسببات الأمراض أو تتحمّلها بطرق فريدة من نوعها، فتقاوم المرض عبر تدمير العنصر الدخيل أو تجاهل وجوده.

في الحالات العادية، تعيق العدوى المقاوِمة أي انتقال محتمل للفيروسات بين الأجناس، فتحدّ من نمو مسبّبات الأمراض قبل أن ترسّخ وجودها.

في المقابل، يسمح تحمّل العدوى بتكاثر مسبّبات الأمراض سريعاً لكن من دون تدهور صحة الجسم المضيف. تكون الحيوانات القادرة على حماية نفسها من الأسلحة الكيماوية التي يستعملها الميكروب أكثر ميلاً إلى العيش لفترة أطول، ما يسمح للميكروب بالنمو بلا رادع.

لكن حين يصبح تحمّل العدوى مطلقاً، قد تقضي على الجسم المضيف بالكامل لأن مسبّبات الأمراض تنمو بسرعة وتُضعِف أكثر الأفراد عرضة للخطر.

يستنتج الباحثون في تقريرهم الجديد: «من خلال تصميم إطار عمل نظري لشرح هذه الظاهرة، قد نطرح سلسلة من الأسئلة والفرضيات القابلة للاختبار قبل أن تقوم الدراسات المناعية في المختبر أو في الجسم الحي بمقارنتها مستقبلاً».

يستحيل إجراء تقييم مناعي كامل لكل خزان محتمل من الفيروسات في عالم الحيوان. لكن استناداً إلى إطار العمل الجديد، قد يكون عمر الحيوان أداة منطقية في هذا المجال. في النهاية، يُفترض أن تعيش الحيوانات التي تتحمّل الأمراض بقدر الخفافيش حياة مديدة نسبياً.

قد لا نتمتع بقوة تحمّل الخفافيش، لكن لا يعني ذلك أننا نعجز عن استخلاص الدروس منها لمساعدتنا على تجنّب الوباء المقبل.

نُشرت نتائج البحث في مجلة «بلوس بيولوجي».


MISS 3