ليس أكبر من العجز المالي سوى العجز السياسي. وهما معاً نتاج عمل منظّم في إداره السلطة ضمن تحالف المال والسلاح. سياسة القوة قادت الى العجز السياسي المنظم لتكريس هيمنة السلاح. وسياسة النيوليبرالية المتوحشة في الإقتصاد أدت الى العجز المالي المتراكم بالقصد لإثراء النافذين. فماذا يتوقع المتمسكون بتطبيق الدستور في الإستحقاق الرئاسي من الذين رأسمالهم تعطيل الدستور، ومشروعهم المحلي الإقليمي لا يعيش إلا خارج الدستور وعلى حسابه؟ وماذا يتوقع الذين ينتقدون الإمتناع عن إجراء الإصلاحات الضرورية المطلوبة والإتفاق مع صندوق النقد الدولي ويرون في مشروع موازنة 2023 فرض ضرائب قاسية على الفقراء وإعفاء الأثرياء من أية ضريبة على ما ربحوه بالإحتيال وسطوا عليه بالقانون او النفوذ، حين يكون الحكم في يد أوليغارشية من أصحاب المليارات بالدولار واليورو؟
ليس صحيحاً أن الكل يسلّم بما نص عليه الدستور من أن «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه». فمن يهيمن على السلطة لديه مشروع عابر للحدود. وحرية العمل كاملة لكل المجموعات التي لديها مشاريع عابرة للحدود. وما عاد غريباً سماع الأصوات المحذرة من ان يصبح لبنان وطناً لغير أبنائه.
ذلك ان المشهد مخيف في الوطن الصغير الجميل الذي كان مغامرة مهمة في الشرق، وصار كما يراه الفاتيكان «أكثر من بلد، إنه رسالة» في تجربة العيش المشترك. فما ينقص الوطن هو دولة حقيقية قوية وعادلة على مستوى المغامرة والرسالة. وبدل العمل في ورشة دائمة لبناء الدولة، تصر الأوليغارشية على ان تكون سلطة المحاصصة هي البديل من الدولة، ويحرص «محور الممانعة» على إعادة البلد من مرتبة الوطن الى مرتبة «الساحة». ساحة مفتوحة لقوى لا ترى لبنان إلا أنه «ارض الله» التي لا احد يملكها، وجبهة أماميه في إطار «وحدة الساحات» ضمن مشروع حرب أكبر من لبنان في عالم عربي صارت اهتماماته تنموية وسلمية.
ومن هنا عقدة الصراع على الرئاسة. «محور الممانعة» يصر على «رئيس ساحة». والمعارضون «السياديون» يصرون على «رئيس دولة». وليس بين الساحة والدولة حل وسط. إما أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وله دولة قوية وعادلة، وإما أنه ساحة لكل اصحاب المشاريع على حساب أبنائه. وأخطر ما يحدث هو التصوّر أن القوة تكفي وحدها لفرض الساحة، أو أن المطالبة بتطبيق الدستور تكفي وحدها لتكريس الوطن. والأخطر هو أن يصبح لبنان رهينة دائمة في لعبة الأمم، من حيث يظن المتذاكون والمتشاطرون انهم لاعبون مع الأمم أو أقلهم مراهنون على اللعبة.
ما يسميه هيغل «مكر التاريخ» له دور في لبنان ابعد مما يتصوره الفلاسفة والمؤرخون وأصحاب الأوهام.