رواد مسلم

كييف تضرب القرم لإضعاف موسكو عسكريّاً وسياسيّاً

4 دقائق للقراءة
تسعى كييف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية قبل الشتاء (أ ف ب)

يعتبر عدم انقطاع الاشتباكات الميدانية في محاور القتال كافة، الثابت في الحرب الروسية - الأوكرانية، ولا تنقطع كذلك الهجمات المدفعية البعيدة والقريبة، فضلاً عن استمرار الهجمات المسيّرة على أهداف استراتيجية وعشوائية. لكنّ الجديد في هذه الحرب الطويلة، هو ضرب مقرّ قيادة أسطول البحر الأسود الروسي التاريخي في ميناء سيباستوبول في شبه جزيرة القرم الاستراتيجية التي ضمّتها روسيا عام 2014. تلك المنطقة التي تدخل ضمن أولويات أهداف الهجوم الأوكراني المضاد لاسترجاع المناطق المحتلّة.

يتبع أسطول البحر الأسود للبحرية الروسية، ووظيفته تأمين الحدود الروسية الجنوبية المطلّة على بحر آزوف والبحر الأسود حيث تنطلق العمليات الجوية والصاروخية الروسية المتّجهة نحو الجبهة الجنوبية في زابوريجيا وخيرسون وأوديسا، ويصل نطاق عملياته حتى البحر الأبيض المتوسط. كما يملك قطعاً بحرية عسكرية تعتبر الأقوى في ترسانة البحرية الروسية، ترسو على موانئ عدّة في بحر آزوف والبحر الأسود، إضافة إلى ميناء سيباستوبول غربي القرم. لذلك، ضرب هذا الموقع يعتبر من العوامل الواضحة على التصعيد الأوكراني، ليؤكّد مسار الاستراتيجية الجديدة في الهجوم المضاد بإضعاف القوات الروسية في شبه جزيرة القرم، بالتزامن مع النجاحات الميدانية باختراق خطوط الدفاع الروسية على محور زابوريجيا الأساسي في استراتيجية الهجوم المضاد قبل وصول الشتاء، لقطع الإمدادات اللوجستية عن القرم.

إذاً، لإضعاف التواجد الروسي في القرم هناك مساران يتبعهما الجيش الأوكراني. الأوّل عبر المعركة التصادمية في الميدان على محور ميليتوبول، والثاني صاروخي لضرب المنشآت الحيوية كالجسور والمواقع العسكرية الاستراتيجية في القرم. لذلك، فإنّ الجيش الأوكراني بحاجة للأسلحة المناسبة لإنجاح هدفه العسكري باسترجاع القرم أو الضغط السياسي على الكرملين للجلوس على طاولة المفاوضات والانسحاب من المناطق المحتلّة مقابل البقاء على الوجود الروسي في القرم.

المعركة التصادمية ستكون بسلاح المدرّعات، لذلك تعتبر دبابات «أبرامز» الأميركية التي وصلت إلى أوكرانيا قبل الموعد المتّفق عليه من العوامل المساعدة على التقدّم بسرعة نحو ميليتوبول قبل الشتاء، لكنّ عدد 31 دبابة إلى جانب الدبابات الأوكرانية الأخرى، أي سرية دبابات «أبرامز» في مواجهة ألوية دبابات روسية متطوّرة بأعداد كبيرة في زابوريجيا، يجب أن توظّف ضمن تشكيلات تحميها من الهجمات الجوية.

لذلك، من دون تأمين تلك الحماية بوصول مقاتلات «أف 16» أو زيادة أعداد أنظمة الدفاع الجوي المتطوّرة مثل «باتريوت»، ستكون هذه الدبابات من أبرز أهداف الجيش الروسي لضربها، فبالرغم من أنّها الأفضل في العالم للقيام بدور السلاح المعترض، فضلاً عن قدرتها العالية بالدفاع، وهي تعتبر دبابة قيادة وسيطرة ويمكنها أن تكون غرفة عمليات، لكنّ الأهم في هذه المعركة بالذات ليس فقط قدرات هذه الدبابة، إنّما أعدادها، بسبب التركيز الروسي الذي سيكون مكثّفاً عليها لاستهدافها وتدميرها.

أمّا الهجوم الصاروخي الذي يشنّه الجيش الأوكراني منذ ثلاثة أيام على القرم، لن يحرج دول حلف شمال الأطلسي، خصوصاً الولايات المتحدة، باستخدام أسلحتها في الداخل الروسي، فالقرم هي أرض أوكرانية محتلّة، وبالتالي يُمكن إطلاق الصواريخ الغربية لضربها. لذلك، تعتبر صواريخ «أتاكمز» البعيدة المدى من الذخيرة المناسبة في هذا المسار الصاروخي، فهي بعيدة المدى تصل إلى 300 كلم، وهي ذات رأس مؤلّف من قنابل عنقودية يتراوح عدد القنابل الصغيرة فيها بين 350 و950 قنبلة، واستخدامها لضرب ميناء سيباستوبول العسكري سيؤدّي إلى دمار هائل في العتاد البحري، خصوصاً إذا كانت ذات رأس توقيتي ينفجر فوق الهدف.

النجاح في العمليات العسكرية يجب أن يتمّ ضمن منظومة متكاملة من الأسلحة، فسلاح المدرّعات في زابوريجيا لا يُمكنه التقدّم من دون حماية جوية يُمكن أن تؤمّنها مقاتلات «أف 16» عند وصولها. كما ضرب المدفعية المواقع اللوجستية الخلفية سيؤمّن قدرة صدّ أقوى للدبابات في الخطوط الأمامية بعد نقص إمدادات الذخيرة المضادة للدبابات وذخيرة الدبابات والعناصر المقاتلة من المشاة. لذلك، لا يُمكن التكلّم عن أي نجاح مُمكن من الجانب الأوكراني، ما دام هذا التكامل غير محقّق، فإرسال السلاح الأميركي الفعّال منذ بداية الحرب لم يكن بسرعة تطوّر المعركة، منذ إرسال «جافلين» إلى «هيمارس» ذات المدى 80 كلم، وصولاً إلى مقاتلات «أف 16» ودبابات «أبرامز» مع ذخيرة اليورانيوم المنضّب و»أتاكمز» ذات المدى 300 كلم، فعنصر المفاجأة كان شبه معدوم، والأسلحة المضادة من الجانب الروسي دائماً جاهزة لمواجهة القدرات الأوكرانية.